تتمتع العلاقة بين المملكة العربية السعودية وبريطانيا بتاريخ طويل من التعاون على كافة الأصعدة. واستمراراً لهذه العلاقة جاءت زيارة ولي العهد البريطاني الأمير ويليام إلى المملكة العربية السعودية لتعكس عمقها بين البلدين، وتؤكد في الوقت ذاته توجه الطرفين نحو توسيع آفاق التعاون، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والاستثماري، قبيل احتفالهما بمرور مئة عام على العلاقات الدبلوماسية. حيث تلاقت العقول الشابة لملوك المستقبل على الانفتاح بين البلدين.
واستقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أمس الإثنين، الأمير ويليام الذي يقوم بزيارة رسمية إلى المملكة تستمر ثلاثة أيام وتختتم يوم الأربعاء. وأظهرت مشاهد بثتها قناة “الإخبارية” الحكومية وصول ولي العهد البريطاني إلى مطار الرياض، حيث كان في استقباله نائب أمير منطقة الرياض الأمير محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز، وفقاً للأعراف البروتوكولية المعتمدة.
وشملت الزيارة جولة خاصة في حي الطريف التاريخي بالدرعية، المدرج على قائمة “اليونسكو” للتراث العالمي، والذي يعد مكان انطلاق الدولة السعودية وعاصمة الدولة السعودية الأولى. ورافق الأمير محمد بن سلمان ضيفه البريطاني في الجولة، قبل أن يعقدا اجتماعاً رسمياً، بحسب ما أفادت به وكالة الأنباء السعودية (واس)، التي نشرت صورة للأميرين أمام قصر سلوى التاريخي، مقر الحكم خلال عهد الدولة السعودية الأولى. كما تضمنت الزيارة عرضاً للمخطط الرئيس لمشروع الدرعية، أحد أبرز المشاريع التنموية والثقافية في المملكة.
أهمية الزيارة
تحمل زيارة الأمير ويليام دلالات سياسية واقتصادية متعددة، إذ تهدف، بحسب قصر كنسينغتون، إلى الاحتفاء بالنمو المتواصل في مجالات التجارة والطاقة والاستثمار بين البلدين. وتأتي هذه الزيارة بعد زيارة وزيرة المالية البريطانية إلى السعودية في عام 2025، والتي أسفرت وفق ما أعلنته لندن، عن إبرام اتفاقات تجارية واستثمارية بلغت قيمتها 6.4 مليار جنيه إسترليني (نحو 8.71 مليار دولار).
ويرى مراقبون أن اختيار لندن إرسال ولي العهد البريطاني، بوصفه “ملك المستقبل”، يعكس أهمية العلاقة مع الرياض باعتبارها أولوية استراتيجية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، أشار رئيس قسم العلاقات الدولية في جامعة لانكاستر، سايمن مايبون، إلى أن العائلتين الملكيتين السعودية والبريطانية تربطهما علاقات وثيقة منذ سنوات، معتبراً أن الزيارة تمثل محاولة بريطانية للاستفادة من الروابط الملكية في تعزيز الشراكة الثنائية.
بينما اعتبر الخبير في الشؤون الملكية ريتشارد فيتزوليامز أن الحكومة البريطانية تراهن على المهارات الدبلوماسية للأمير ويليام، مستشهداً بلقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عام 2024، واصفاً إياه بأنه يتمتع بكفاءة عالية في العمل الدبلوماسي، وهو ما يمثل عاملاً مهماً في مثل هذه الزيارات.
وضمن برنامج الزيارة، من المقرر أن يتوجه الأمير ويليام، المعروف باهتمامه الكبير بالقضايا البيئية، إلى بلدة العلا الأثرية شمال غربي المملكة، حيث سيطلع على الجهود المبذولة لحماية الحياة البرية والحفاظ على الطبيعة الفريدة للمنطقة، وذلك وفق ما أعلنه مكتبه في قصر كنسينغتون.
ولا تعد هذه الزيارة اللقاء الأول بين الجانبين، ففي مارس 2018، استضاف الأمير ويليام ووالده الملك تشارلز، حين كان لا يزال أميراً، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على عشاء في كلارنس هاوس بلندن، كما أقامت الملكة الراحلة إليزابيث الثانية مأدبة غداء منفصلة له في المناسبة ذاتها.
وتتميز العلاقات بين العائلتين المالكتين السعودية والبريطانية بطابع ودي ومتجذر، إذ تعد السعودية من أبرز الشركاء الاستراتيجيين للمملكة المتحدة في منطقة الخليج. وقد استقبلت الملكة إليزابيث الثانية عدداً من الشخصيات الملكية السعودية خلال أربع زيارات رسمية، ما يعكس متانة الروابط الثنائية.
ويعرف عن الملك تشارلز الثالث بصلته القوية بالعالم العربي وبالسعودية على وجه الخصوص، حيث زار المملكة نحو عشر مرات في مراحل مختلفة، إدراكاً منه للأهمية الاستراتيجية للرياض وطبيعة العلاقة التاريخية التي تجمعها بلندن سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وقد تعززت هذه العلاقة منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، بدور شخصيات بريطانية بارزة مثل جون فيلبي. وخلال بعض زياراته، شارك الملك تشارلز في أداء رقصة “العرضة” السعودية مرتدياً الزي التقليدي، وهي رقصة ذات جذور تاريخية عميقة، تُؤدى في المناسبات الرسمية والاحتفالات الوطنية والمواسم الثقافية.
في النهاية، ترسخ زيارة الأمير ويليام للسعودية العلاقات بين السعودية وبريطانيا، وتفتح صفحة جديدة من التعاون التاريخي، خصوصاً في مجال البيئة والثقافة، بالإضافة إلى الاقتصاد، بما يتماشى مع التفاهمات الدولية والإقليمية المشتركة.
اقرأ أيضاً: كيف تتعلم بريطانيا من السعودية؟!

