لا يختبر الخطر دائماً بحجم الانفجار، بل بالمكان الذي يقترب منه. هذا ما جعل الهجوم بالمسيّرات قرب محطة براكة النووية في الإمارات يتجاوز حدود حادث أمني محدود. لم تتحدث البيانات الرسمية عن إصابات أو تسرب إشعاعي، لكن مجرد اندلاع حريق خارج المحيط الداخلي لمنشأة نووية مدنية كان كافياً كي ينتقل الملف سريعاً من أبوظبي إلى الرياض، ومن بيانات التضامن الخليجي إلى قاعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
السعودية تعاملت مع الحادث من هذه الزاوية. لم يكن البيان السعودي إدانة عابرة لهجوم على دولة شقيقة، بل قراءة مبكرة لمشكلة أوسع. حين تصبح منشأة نووية سلمية قريبة من مجال الخليج الجغرافي هدفاً أو محيطاً مستهدفاً، فإن المسألة لا تعود إماراتية فقط. إنها تتصل مباشرة بأمن الخليج، وبقواعد الاشتباك التي قد تفرضها الطائرات المسيّرة إذا تُركت تتحول إلى أداة ضغط عادية.
أمن الخليج يبدأ من مكان الحادث لا من حجم الضرر
أعلنت وزارة الخارجية السعودية، في 17 أيار 2026، إدانتها الشديدة للاعتداء على دولة الإمارات بمسيّرات، بعدما أسفر الهجوم عن اندلاع حريق خارج المحيط الداخلي لمحطة براكة للطاقة النووية. وأكدت الرياض رفضها لهذه الاعتداءات، ووقوفها إلى جانب الإمارات في ما تتخذه من إجراءات لحماية سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها.
هذا الموقف يكتسب وزنه من طبيعة المنشأة. براكة ليست محطة كهرباء عادية. هي المحطة النووية الوحيدة في العالم العربي، وبدأ تشغيل أول مفاعلاتها عام 2020، وتقدر كلفتها بنحو 20 مليار دولار، وتستطيع، عند اكتمال تشغيل وحداتها، تزويد الإمارات بنحو ربع احتياجاتها من الكهرباء. لذلك فإن الاقتراب منها، حتى لو لم يؤد إلى ضرر إشعاعي، يفتح سؤالاً لا يمكن تأجيله: هل دخلت البنية النووية المدنية في بنك الأهداف غير المعلنة؟
من هنا يبدو الحادث أخطر من نتائجه المباشرة. فالخليج اعتاد في السنوات الماضية هجمات على منشآت نفطية وموانئ ومطارات، واعتاد أيضاً اختبار الدفاعات الجوية أمام الصواريخ والمسيّرات. لكن المنشأة النووية تضع الجميع أمام عتبة مختلفة. الضرر المحدود لا يلغي السابقة. والسابقة، في الأمن، قد تكون أحياناً أهم من الخسارة نفسها.
مجلس الأمن حين يتحول الموقع إلى رسالة
دخلت الأمم المتحدة على خط الحادث سريعاً. الأمين العام أنطونيو غوتيريش عبّر عن قلق بالغ من التقارير التي تحدثت عن هجمات بمسيّرات أدت إلى حريق في مولد كهربائي داخل نطاق محطة براكة، ودعا إلى وقف القتال بالكامل، مؤكداً ضرورة عدم وقوع هجمات قرب بنية تحتية مدنية، بما في ذلك محطات الطاقة النووية. الوكالة الدولية للطاقة الذرية ذهبت في الاتجاه نفسه، إذ شدد مديرها العام رافائيل غروسي على أن المواقع النووية، وكل منشأة مهمة للسلامة النووية، يجب ألا تكون هدفاً لأي نشاط عسكري.
هذه اللغة ليست تقنية فقط. إنها محاولة لتثبيت خط أحمر دولي قبل أن يصبح اختراقه أمراً قابلاً للتكرار. وقد أفادت الأمم المتحدة بأن الإمارات أعادت تزويد الوحدة الثالثة في براكة بالطاقة الخارجية بعد الحادث، بما أنهى الحاجة إلى الاعتماد على مولدات الديزل الطارئة. هذه التفاصيل الصغيرة تكشف أن الضربة، حتى من دون كارثة، لامست دائرة تشغيل حساسة.
عند هذه النقطة يصبح مجلس الأمن معنياً لا بوصفه منصة إدانة، بل بوصفه الجهة التي يفترض أن تعيد تذكير الأطراف بقاعدة بسيطة: المنشآت النووية المدنية ليست ساحة اشتباك. المشكلة أن هذه القاعدة، على وضوحها، لا تملك قوة كافية إذا لم تُترجم إلى ردع سياسي وأمني. فالطائرة المسيّرة لا تحتاج إلى جيش كبير كي تصل، ولا تحتاج الجهة التي تطلقها إلى إعلان مسؤوليتها كي تصنع أزمة.
المسيّرات وحدود الردع الخليجي
قالت الإمارات لاحقاً إن المسيّرات التي استهدفت محيط براكة جاءت من الأراضي العراقية، بينما أدان العراق الضربات على الإمارات من دون الدخول في تفاصيل الاتهام الإماراتي. هذا الغموض جزء أساسي من طبيعة الخطر. المسيّرات تمنح المنفذين مساحة للإنكار، وتنقل التصعيد عبر حدود متعددة، وتربك حسابات الرد. لا حرب معلنة، ولا مسؤولية واضحة دائماً، لكن النتيجة السياسية والأمنية تقع فوراً.
السعودية معنية بهذا النمط من التهديد أكثر من غيرها. فهي ليست فقط دولة خليجية قريبة من مجال الحدث، بل دولة واجهت سابقاً هجمات على منشآت نفطية وحيوية، وتتعامل مع أمن الطاقة بوصفه جزءاً من أمنها الوطني ومن استقرار السوق الدولية. لذلك لم يكن مستغرباً أن تنظر الرياض إلى الهجوم قرب براكة كتهديد لأمن المنطقة لا كحادث منفصل. وازدادت حساسية المشهد مع تقارير عن اعتراض السعودية ثلاث مسيّرات دخلت أجواءها من المجال العراقي في سياق توتر إقليمي متصاعد.
مجلس التعاون الخليجي قرأ الحادث بالمنطق نفسه. فقد دان أمينه العام جاسم محمد البديوي الهجوم بثلاث مسيّرات، إحداها استهدفت محطة براكة في منطقة الظفرة، وعدّه تصعيداً خطيراً وتهديداً مباشراً لأمن واستقرار المنطقة. اللافت في البيان أنه ربط بين المنشآت الحيوية والنووية وسلامة المدنيين والبيئة وإمدادات الطاقة العالمية. هذا الربط هو جوهر المسألة. أي خلل قرب محطة نووية في الخليج لا يبقى داخلياً. أثره يتحرك إلى التأمين والشحن والأسواق وثقة المستثمرين، ثم يعود على شكل كلفة أمنية أعلى على الجميع.
لا يعني ذلك أن الهجوم غيّر توازنات المنطقة دفعة واحدة. لكنه كشف هشاشة ينبغي ألا تُترك للتكرار. أمن الخليج اليوم لا يقاس فقط بعدد منظومات الدفاع الجوي، ولا بسرعة صدور بيانات الإدانة. يقاس بقدرة الدول على منع تحويل المنشآت المدنية الحساسة إلى أوراق مساومة. فإذا بقي الرد محصوراً في إدارة الحادث بعد وقوعه، فستبقى المسيّرات قادرة على اختبار الحدود مرة أخرى. أما إذا تحولت براكة إلى نقطة تثبيت لقاعدة واضحة، فسيكون الحريق المحدود قد منع خطراً أكبر.
الخلاصة مباشرة. الهجوم قرب براكة لم يكن كارثة، لكنه كان إنذاراً. السعودية رأت فيه تهديداً لأمن الخليج، والأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية رأتا فيه مساساً بقاعدة حماية المنشآت النووية المدنية. وبين القراءتين تقع مهمة أصعب من الإدانة: إغلاق الباب مبكراً أمام معادلة تجعل الاقتراب من محطة نووية وسيلة ضغط في صراع إقليمي.
اقرأ أيضاً: الهند والبرازيل تريدان مجلس الأمن.. فما الذي يمنع السعودية؟!

