تعد السياحة الداخلية في المملكة العربية السعودية من القطاعات الحيوية التي تشهد نمواً متسارعاً في السنوات الأخيرة بفضل رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز جودة الحياة.
وتمتاز السعودية بتنوع جغرافي وثقافي فريد، يجمع بين الصحارى الشاسعة، والجبال الخضراء، والسواحل الخلابة، إلى جانب إرث تاريخي عريق يتمثل في المواقع الأثرية والمدن القديمة مما يسمح لهذه السياحة بالازدهار والتطور، بالإضافة إلى المشاريع السياحية الكبرى والبنية التحتية والخدمات التي تحفز المواطنين والمقيمين على استكشاف جمال المملكة، مما جعل السياحة الداخلية خياراً مثالياً للتعرف على كنوز المملكة الطبيعية والثقافية.
ماذا تعني السياحة الداخلية؟
تشير السياحة الداخلية إلى السفر داخل بلد الفرد، وهي تشمل سفر سكان بلد ما وإقامتهم في أماكن داخل حدود بلدهم، ولكن خارج بيئتهم المعتادة، يمكن أن تكون هذه الرحلة لأغراض مختلفة، بما في ذلك الترفيه أو العمل أو لأسباب شخصية أخرى، وعادةً ما تستمر لأقل من 12 شهراً متتالياً.
أهمية السياحة الداخلية في السعودية؟
لم تكن السياحة عامة بمعزل عن خطة الحكومة السعودية في تنويع اقتصادها التي اختزلتها رؤية المملكة 2030 بعد ورود تقارير عن نضوب النفط في المستقبل، إلا إن جائحة كورونا Covid_19 أثرت على مسار السياحة في السعودية مثل تأثيرها على كافة بلدان العالم، وهنا وجدت الحكومة بالسياحة الداخلية وسيلة لإحياء هذا القطاع، وبذلك كان الدعم من السعوديين وللسعوديين.
مقومات هذه السياحة؟
تمتاز المملكة العربية السعودية بتراث ثقافي غني ينعكس في العديد من المواقع التاريخية والدينية التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، تُعتبر مكة المكرمة والمدينة المنورة من أقدس الأماكن في الإسلام، مما يجعلها وجهة رئيسية للحجاج والسياح على حد سواء، إلى جانب ذلك، تضم السعودية مواقع مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو مثل العلا، وحي الطريف في الدرعية، والتي تعكس جوانب مهمة من تاريخ وثقافة المملكة، ما يجعلها محط اهتمام للسياح المحليين.
ويعتبر ساحل البحر الأحمر خياراً مفضلاً للسياح المحليين الباحثين عن الطبيعة والأنشطة البحرية. يشتهر البحر الأحمر بتنوعه البيئي البحري الغني، ويوفر فرصاً مميزة لممارسة الغطس والرياضات المائية، من جهة أخرى، يشهد مشروع “البحر الأحمر” السياحي الفاخر حالياً تطوراً كبيراً، ويُتوقع أن يصبح نقطة جذب سياحية رئيسية لكل من السياح المحليين والدوليين.
إلى جانب المواقع التاريخية والطبيعية، تقدم السعودية خيارات ترفيهية متنوعة تناسب مختلف الفئات، لا سيما العائلات، فالمنتزهات الترفيهية مثل Six Flags و KidZania تحظى بشعبية كبيرة، في حين توفر مراكز التسوق الكبرى مثل “رب” و”مركز المملكة” تجارب تسوق متميزة ومتنوعة، ومع تزايد الاهتمام بالتجارة الإلكترونية، تحولت هذه المراكز إلى وجهات ترفيهية متكاملة وليس مجرد أماكن للتسوق.
ومع ازدياد حركة السياحة الداخلية، بات من الضروري تطوير البنية التحتية لدعم هذا القطاع الحيوي، وذلك عبر تحسين شبكات النقل وإنشاء فنادق جديدة وتطوير المنشآت القائمة، وقد أدركت الحكومة السعودية هذه الحاجة، فخصصت ميزانيات ضخمة لتعزيز البنية التحتية، بهدف توفير تجربة سياحية مريحة ومتطورة للسكان والزوار على حد سواء.
التحديات التي تواجه هذه السياحة
تواجه السياحة الداخلية عدة تحديات تؤثر على تطورها وانتشارها بين المواطنين والمقيمين أيضاً، فقد أشار استطلاع للرأي أجراه المركز الوطني لاستطلاعات الرأي العام التابع لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني بعنوان اتجاهات السعوديين نحو السياحة الداخلية” عام 2016، أن أبرز التحديات التي تواجه السياحة الداخلية وأولها غلاء الأسعار في تلك المناطق، بالإضافة إلى قلة عدد أماكن الجذب السياحي الذي جاء في المرتبة الثانية، ثم ضعف التسويق للسياحة الداخلية ثالثاً وأخيراً قلة الأنشطة والفعاليات والبرامج الترفيهية، وضعف البنية التحتية.
وأظهر الاستطلاع أن 29% سافروا لغرض السياحة الداخلية فقط، و 11% سافروا لغرض السياحة الخارجية فقط، كما هناك 44% من الذين يفضلون السياحة الداخلية سافروا بمعدل مرة إلى 5 مرات خلال الخمس سنوات الماضية، بينما 38% من رواد السياحة الخارجية سافروا بمعدل مرة إلى 5 مرات خلال الخمس سنوات الماضية.
بينما كشفت إحصائية للمؤشرات السياحية لعام 2019 الصادرة عن مركز المعلومات والأبحاث السياحية (ماس) التابع للهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، أن السياحة الداخلية حققت ارتفاع في إجمالى الرحلات السياحية خلال الفترة من يناير إلى يونيو من عام 2019 إلى 22.9 مليون رحلة سياحية، مقارنة بـ 21.9 مليون رحلة للفترة نفسها من عام 2018 بنسبة ارتفاع تفوق 5.3% محققة إنفاقاً يصل إلى 24.8 مليار ريال، مقارنة بـ 21.5 مليار ريال عن عام 2018 وبارتفاع بنسبة .%15.2، وفي عام 2021 سجلت السياحة الداخلية إنفاق بقيمة 80 مليار يال بحسب هيئة السياحة السعودية.
كما كشف المتحدث الرسمي لموسم السعودية «تنفس» عبدالله الدخيل، أن أبرز التحديات التي تواجه السياحة الداخلية هي محدودية المعروض من الوحدات الفندقية والسكنية في بعض الوجهات السياحية، وقد عملت الوزارة على تفادي هذا الأمر عبر توفير العديد من المبادرات لدعم السياحة الداخلية لعام 2020، منها التعاون مع القطاع الخاص عبر أكثر من 90 شركة لتطوير باقات سياحية مناسبة لمواسم الصيف، كما أطلقت حملة تسويقية تحت عنوان «تنفس صيف السعودية» للترويج للوجهات السياحية المختلفة، بالإضافة إلى إطلاق تطبيق متعدد اللغات (بـ 8 لغات) يعرض كافة المعلومات المتعلقة بالوجهات والباقات السياحية المتنوعة.
اقرأ أيضاً: السياحة العلاجية في المملكة العربية السعودية.. اقتصاد واعد ولكن!!
طرق مواجهة هذه التحديات
تبذل الهيئة العليا للسياحة جهوداً كبيرة لتحضير الأرضية المناسبة لانطلاق السياحة في المملكة، مستندة إلى أسس مدروسة وقواعد علمية، ومن هذا المنطلق، سأذكر بعض الفعاليات التي يمكن إضافتها إلى سجل السياحة الوطنية، مع التركيز على التسهيلات التي يتطلع إليها المواطن والمقيم، بل وحتى السائح الخارجي، والتي لم يغفل عنها مشروع تنمية السياحة الوطنية الذي أعدته الأمانة العامة للهيئة العليا للسياحة:
- تعد السياحة صناعة هامة وواعدة، خاصة مع تزايد عدد السكان وارتفاع الوعي بأهمية الترويح عن النفس وتغيير الجو خلال فترات مختلفة من السنة، هذه الصناعة ستفتح آفاقاً كبيرة لفرص العمل أمام شباب المملكة.
- رغم وجود عدد كبير من المنشآت السياحية، إلا أنها غير منظمة بشكل جيد، مما يترك السائح يعتمد على نفسه في العثور على أماكن الترفيه، فغياب المعلومات والأدلة السياحية يؤدي إلى انحصار السائح الداخلي بين الشقة، الفندق، مراكز التسوق، وجلسات البحر التي قد لا تكون مريحة بسبب ازدحام الأماكن، ما يضفي شعوراً بالملل ويدفع السائح للعودة بسرعة إلى منزله، أما المدن الداخلية، فتكاد تكون فرص الترفيه فيها محدودة، تقتصر غالباً على السباحة للعلاج أو التسوق وزيارة الأقارب.
- يجب توفير رحلات بحرية تمتد لنصف يوم أو يوم كامل أو أكثر، تشمل عروضاً خاصة وفرصاً للسباحة وممارسة هواية الصيد، وغيرها من الأنشطة التي لا تتوفر حتى الآن على سواحلنا الممتدة.
- من المهم تنظيم رحلات سياحية داخل المدن بقيادة مرشدين متخصصين يقدمون للسائح معلومات تاريخية، أثرية، تسويقية، وترفيهية، ما يوفر للسائح تجربة غنية تختلف عن البحث الفردي.
- ينبغي فتح المناطق الأثرية أمام السائحين مع توفير مرشدين مختصين، مع ضرورة الحفاظ على الآثار من خلال تنظيم دخولها عبر سيارات ومرشدين تابعين للجهة المشرفة، كما يجب توفير تسهيلات في هذه المناطق تشمل فنادق، مطاعم، مساجد، دورات مياه، وأماكن للراحة مثل الحدائق.
- يتعين العمل على إيجاد مناطق جذب سياحي في كل مدينة، مثل المتاحف وحدائق الحيوان، بالإضافة إلى تصنيف المعالم الأثرية والأماكن ذات الطابع الخاص، مثل الآبار التاريخية، الجبال، المواقع التي شهدت معارك، مساكن الشعراء أو القبائل القديمة، وغيرها من عوامل الجذب.
- يجب أن تقوم وكالات السياحة الداخلية بتنظيم حملات سياحية لمناطق ومدن المملكة، تمتد من يومين إلى أسبوعين أو أكثر، مشابهة لما توفره الوكالات للسياحة الخارجية.
- تسريع ربط المناطق الرئيسية في المملكة بخطوط سكك حديدية يوفر وسيلة نقل آمنة ورخيصة، تسهل حركة السائحين وتضيف قيمة لتجربة السفر.
- ينبغي إنشاء حدائق كبيرة وواسعة في كل مدينة لتكون متنفساً لسكانها، خاصة خلال عطلات نهاية الأسبوع، مما يتيح لمن لا يستطيع السفر بعيداً فرصة الترويح عن النفس داخل مدينته.
- يجب إعداد برامج ترفيهية سياحية في مختلف مدن المملكة خلال مواسم العطل، خاصة الإجازة الصيفية، بحيث تكون متنوعة يومياً وتلبي احتياجات جميع الأعمار.
- إقامة أسواق شعبية مؤقتة خلال فترات الترويح السياحي تعرض فيها المنتجات التراثية المحلية، وهي فكرة مطبقة بالفعل في بعض المناطق وينبغي تعميمها في باقي المناطق.
- خلق مناطق جذب سياحي في الفصول المناسبة لبعض المناطق النائية التي يرغب كثير من الناس في زيارتها، مثل الربع الخالي، جبال عسير، وبعض الجزر غير المأهولة في البحر الأحمر والخليج العربي.
- إحياء بعض المناطق التاريخية عبر توفير كتيبات تعريفية، وتمكين السائح من زيارتها برفقة مرشد سياحي يوضح الرؤية الدينية بشأن عدم التبرك بالمواقع، مع توفير الحد الأدنى من البنية التحتية مثل الفنادق والطرق.
- زيادة الاستثمار في مجال الترفيه في مختلف مدن المملكة، مع توفير مساحات واسعة للأماكن الترفيهية تتيح الحركة والاستمتاع للعائلات، بدلاً من تخصيص أماكن محدودة المساحة تؤدي إلى تقييد دخول الجنسين بشكل منفصل، مما يقلل من سعادة الأسرة خلال السياحة.
- تشكيل لجان مختصة في كل مدينة تكون مهمتها إعداد والإشراف على برامج الترويح السياحي المستمرة والمؤقتة.
- تعتبر حملات العمرة على مدار العام نموذجاً ناجحاً لما يمكن أن تقوم به المكاتب السياحية في المملكة، بعد تجهيز وسائل الجذب وتوفير المعلومات عنها.
- التسهيلات المتوفرة على الطرق تشكل عاملاً حاسماً في تحريك السياحة الداخلية، عبر توفير محطات وقود، محلات صيانة، فنادق صغيرة، مطاعم نظيفة، وتوجيه السائح نحو مناطق تستحق الزيارة حتى لو كانت مواقع طبيعية صغيرة مثل كهوف أو كثبان رملية، مما يجعل السفر جزءاً من التجربة السياحية.
- تشجيع السياحة الدينية داخلياً بما يشكل مصدراً مهماً لتحريك الاقتصاد والتجارة، خاصة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، مع السماح للسياح القادمين لأداء العمرة بالتجول وزيارة مناطق المملكة الأخرى والتمتع بمعالمها.
- تشمل معالم المدن الرئيسية مكتبات عامة، أحياء جامعية، موانئ، مراكز تجارية، مطاعم متميزة، أسواق شعبية، وسط المدينة القديمة، مبانٍ معمارية مميزة، مساجد، وجسور معلقة، كل ذلك يمكن أن يشكل مناطق جذب سياحي عند تعريفها بشكل مناسب بواسطة المرشدين.
- القاعدة العامة أن السائح يرغب في التنقل ورؤية شيء يترك لديه ذكرى جميلة من زيارته، لذلك يجب أن تستند صناعة السياحة الداخلية على هذا الشعور، حيث تشكل نواة للسياحة الخارجية التي قد نستقبلها من الخارج مستقبلاً.
- للنقل والمواصلات داخل المدن دور فعال في تسهيل حركة السياح، فإذا أصبحت المعالم السياحية مميزة ومعروفة، وتم توفير وسائل نقل مكوكية من مناطق إقامة السياح إليها، سيزيد ذلك من الإقبال بدلاً من الاعتماد على السيارات الخاصة.
- يجب الحرص على إقامة معارض للكتاب، الفنون التشكيلية، الصناعات الوطنية، السيارات، والمعارض التجارية في أوقات مختلفة خلال فصل الصيف، لما تشكله من وسائل ترفيه وثقافة.
- بعض مدن المملكة غنية بوسائل الجذب السياحي مثل المدينة المنورة، مدائن صالح، والمدن الصناعية مثل الجبيل وينبع، بالإضافة إلى مراكز الإنتاج والتصدير، وكذلك مناطق ذات طبيعة خلابة مثل الطائف، الباحة، عسير، والسواحل الغربية والشرقية، إلا أن هذه المواقع تفتقر إلى دلائل سياحية ومرشدين.
- ينبغي إقامة المزيد من منشآت الجذب السياحي طول السواحل السعودية، فالساحل الغربي مثل منطقة حقل وضباء شمالاً وجيزان وجزر فرسان جنوباً يمتلكان جاذبية سياحية على مدار السنة، بينما المناطق الوسطى مثل جدة مناسبة للسياحة طوال العام، لذلك ينبغي تمديد خدمات السياحة إلى كامل الساحل الغربي والشرقي، حيث السياحة حالياً مقتصرة على مناطق محدودة، مع ضرورة إقامة مدن سياحية كبيرة بدلاً من القرى الصغيرة ذات الخدمات المحدودة.
باختصار، حل مشكلات السياحة الداخلية يحتاج إلى دراسات ولجان سياحية متخصصة تركز على التطبيق العملي، فـ90% من عوائق التنفيذ تأتي من التشاؤم ومصالح ضيقة تعرقل الجهود الجبارة المبذولة.
اقرأ أيضاً: المملكة رائدة في السياحة العالمية والاستقطاب الخارجي.. الأرقام تتكلم

