تُعد السيول من أكثر المشكلات الخدمية التي تعاني منها السعودية في الآونة الأخيرة، مع تزايد حدة الأمطار التي غالباً ما تكون فتراتها قصيرة لكنها غزيرة لدرجة جرف كل ما يعترض طريقها، بالرغم من البيئة الصحراوية التي تطغى على المملكة، هذا وتتعدد أسبابها بين البشرية والبيئية، إلا أن ما لا يختلف عليه اثنان هو الأضرار في الأرواح والممتلكات التي تكاد لا تخلو سنة منها، لذلك، في هذا المقال سنتعرف على آخر الأضرار التي خلفتها السيول، وأسبابها، وتحديات مواجهتها.
لقيت امرأة وطفلها حتفهما يوم السبت جراء جرف السيول لسيارتهم إلى حافة جرف صخري كبير في محافظة القنفذة. وبحسب المعلومات، كانت السيارة تقل عائلة مكونة من خمسة أفراد، إلا أن انحراف السيارة عن مجرى السيل والطين الذي تشكل بسببه دفعها نحو جرف صخري، بينما تمكن الأب من إنقاذ اثنين من أولاده، في حين توفيت الزوجة وطفلها.
وفي نفس السياق، تعاني محافظة محايل عسير من سيول جارفة أدت إلى أضرار مادية، بينما تحاول الوحدات المختصة إيجاد حلول سريعة للسيول المتدفقة في الشوارع.
لم تكن الوفاة السابقة الحالة الوحيدة التي شهدتها السعودية، فقد توفي المئات في سنوات السيول الأشد بجدة عامي 2009 و2011. وهذا ما يطرح سؤالاً حول الأسباب وراء هذه السيول في بلد يُعد من أغنى بلدان العالم وأكثرها تطوراً.
أسباب السيول في السعودية
تتنوع أسباب السيول بين مناخية وبشرية وطبيعية، وغالباً ما تتضافر هذه الأسباب لتشكل موجة سيول قوية، وبحسب المتحدث الرسمي لهيئة المساحة الجيولوجية طارق أبا خيل، فإن هطول الأمطار المفاجئة وغزارتها يشكلان تحدياً كبيراً أمام الحكومة السعودية كل عام، وخصوصاً في المناطق غير المؤهلة لاستقبالها من حيث البنية التحتية وقلة شبكات التصريف.
وأوضح أبا خيل أن السيول غالباً ما تحدث في الأماكن التي تتميز بطقسها الجاف وشبه الجاف، وذلك بسبب طبيعة تربتها النفاذية غير القادرة على امتصاص كميات كبيرة من الأمطار، بالإضافة إلى عوامل طبوغرافية تساهم في زيادة حدة السيول كالارتفاعات والميول الحادة، فهذه الارتفاعات تسهم في تجميع المياه في المناطق المرتفعة وتوجيهها بغزارة نحو المناطق المنخفضة، أما العوامل الجيومورفولوجية فهي تعني المشكلات الخاصة بشبكات الصرف الصحي وكثافة تفرعات الأودية، وأيضاً العوامل المناخية مثل غزارة الأمطار وعوامل التبخر ونفاذية التربة وامتصاصها للمياه، جميعها تساهم في تشكل السيول الجارفة.
وركز أبا خيل على العبث بالأودية الذي ساهم بشكل رئيسي في تشكل السيول، محذراً من فتح ممرات وتفرعات للأودية بطريقة غير مدروسة، وبناء العقوم التي تعيق تدفق المياه بشكل طبيعي، ورمي المخلفات في بطون الأودية وطرقاتها دون النظر لاحتمالات نتائجها، مما يؤدي إلى فيضانات كبيرة وسيول قوية.
كما أرجع جزءاً من المشكلة إلى عدم اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة السيول، فمع ندرة البيانات الخاصة بالتسجيلات المطرية، وقلة المحطات المخصصة لرصد الأمطار وقياس السيول، تتفاقم المشكلة ويصعب التعامل معها في الوقت المناسب، وقد طرح إمكانية إجراء دراسة هيدرولوجية متكاملة تقوم على حماية المناطق السكنية، ووضع مخططات مستقبلية لمواجهة السيول، وتقوم هذه الدراسة على تطوير شبكات الصرف الصحي، وتحديد المناطق التي تتكرر فيها السيول، وبالتالي محاولة حلها بطرق هندسية للتقليل من أضرارها قدر الإمكان والحفاظ على الأرواح والممتلكات.
لماذا تعاني بعض المدن السعودية من السيول أكثر من غيرها؟
تُعد مكة المكرمة إحدى أكثر المدن عرضة للسيول، بالإضافة إلى مدينة جدة، ويعود السبب في ذلك إلى موقعها الجغرافي، فهذه المدينة مبنية في وادٍ محاط بالجبال، مما يجعلها مصباً لمياه الأمطار.
وتعود الأسباب إلى عاملين رئيسيين: الأول هو موقع المدن، إذ كان الإنسان قديماً يشيد مدنه في المناطق القريبة من الأنهار وعلى ضفافها، بينما أقام مدنه في المناطق الصحراوية عند مصبات الأنهار في الأودية الموسمية أو على مجاريها، أما السبب الثاني فيتمثل في غياب المعالم الواضحة للأودية، مما شجع الناس على البناء عليها، خصوصاً خلال فترات الجفاف التي مرت على المملكة، ويضاف إلى ذلك التوسع العمراني وما نتج عنه من ضغط في البناء، وبالتالي صعوبة تحديد مجاري السيول، ومثال على ذلك مجرى البطحاء في مدينة الرياض الذي اختفى مع مرور الزمن.
الحلول
بعد معرفة الأسباب الحقيقية للسيول، تبدو الحلول واضحة، وقد عملت الحكومة السعودية بالفعل على بعضها، ففي البداية أطلقت مشاريع خاصة بإنشاء شبكات تصريف صحي، وحتى بناء سدود في بعض المناطق الأكثر عرضة للفيضانات والسيول، وتُعد هذه الحلول الأكثر واقعية، إذ إن الحديث عن حلول جذرية يتطلب تغيير مواقع المدن، وهو ما لا يمكن القيام به، لذلك، تبقى الحلول السابقة نافعة في كثير من الأحيان.
اقرأ أيضاً: استمطار السحب يحلّق في السعودية ليغطي 6 مناطق

