عندما نقول إن السباق العالمي الآن يجري على الشرائح الدماغية المزروعة، يتبادر إلى ذهن الكثيرين فيلم ماتريكس الذي يكون فيه العالم في ثبات ضمن حاضنات، بينما يعيشون في عقولهم حياة كاملة. لكن الحقيقة مختلفة تماماً، فالسباق صحيح على تصنيع شرائح دماغية، لكن لأغراض مفيدة، وأبطال هذا السباق هما الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
ففي الأيام السابقة قفزت الصين خطوة للأمام بعدما أصبحت أول دولة في العالم تمنح موافقة تجارية رسمية لشريحة دماغية مزروعة، متقدمة بذلك على شركات أميركية شهيرة، أبرزها شركة “نيورالينك” التابعة لرجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك. وبذلك أعلنت الصين فتح باب المنافسة على تقنيات المستقبل
الصين تسبق الجميع إلى السوق
دخلت الصين سوق الشرائح الدماغية المزروعة مع جهاز يحمل اسم “NEO”، طورته شركة NeuraMatrix في مدينة شنغهاي بالتعاون مع باحثين من جامعة تسينغهوا التي تعد من أبرز الجامعات الصينية. وقد حصل الجهاز على موافقة رسمية من الإدارة الوطنية الصينية للمنتجات الطبية، ليكون أول نظام من نوعه يحصل على ترخيص تجاري كامل في العالم.
من المميزات التي يتمتع بها الجهاز الصيني هو آلية زراعته. فبدلاً من إدخال أسلاك دقيقة داخل الدماغ، كما تفعل بعض الشركات المنافسة، يتم تثبيت ثمانية مستشعرات فوق الطبقة الواقية للدماغ خلال عملية تستغرق نحو ساعة ونصف فقط.
ماذا يستطيع هذا الجهاز أن يفعل؟
من المؤكد أن هذا السؤال الأكثر أهمية، والحقيقة أن إجابته أكثر أهمية ودهشة. فالنظام قادر على قراءة الإشارات العصبية وتحليلها لحظة بلحظة، وبالتالي مساعدة الأشخاص المصابين بالشلل أو إصابات الحبل الشوكي بالتحكم في أجهزة مختلفة باستخدام التفكير فقط. وقد تم تجريب هذه التقنية على بعض المرضى واستفادوا فعلاً. فباستخدام القفازات الذكية استطاعوا تحريك أيديهم والإمساك بالأشياء ورفع أكواب المياه، وهي أمور كانوا عاجزين عنها تماماً قبل ذلك.
ولا تعد هذه التجربة منفصلة عن الخطط الواسعة. فقد وضعت الحكومة الصينية تقنيات واجهات الدماغ والحاسوب ضمن خططها الاستراتيجية لتصدر العالم مع عام 2030، مثلما فعلت بقطاع السيارات الكهربائية.
إيلون ماسك ونيورالينك.. الرهان الأميركي الأكبر
على القطب الآخر من أقطاب التقنية والتكنولوجيا، تقف الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة بشركة Neuralink التابعة لإيلون ماسك على نفس الموجة الصينية، إذ عملت على تطوير شريحة دماغية تحمل اسم N1، وتعد اليوم أشهر مشروع في هذا المجال.
وتختلف تقنية نيورالينك عن الجهاز الصيني باعتمادها على زراعة أسلاك فائقة الدقة داخل أنسجة الدماغ مباشرة لالتقاط الإشارات العصبية. وعلى الرغم من كونه طريقة صعبة ودقيقة ومعقدة عند مقارنتها بالعمليات الجراحية، إلا أنها توفر كمية كبيرة من البيانات العصبية.
وعلى خطى الشركات الصينية، قامت الشركة بتجربة التقنية عبر زراعة الشرائح لعدد من المرضى ضمن برامج بحثية معتمدة. وكان من أشهرهم المريض نولاند أربو، الذي تمكن من تحريك مؤشر الكمبيوتر وتصفح الإنترنت ولعب الشطرنج باستخدام أفكاره فقط، من دون لمس أي لوحة مفاتيح أو فأرة.
وخلال منشور على منصة “إكس” أعلن إيلون ماسك عن طموحاته في استعادة الأعمى لبصره، والمشلول لحركته، والأخرس لكلامه. كما أعلن ماسك أن شركته تخطط للانتقال إلى الإنتاج واسع النطاق وإجراء عمليات جراحية شبه آلية باستخدام الروبوتات خلال السنوات المقبلة، في محاولة لتسريع انتشار هذه التقنية.
شركات أخرى تدخل السباق وتقنيات جديدة تظهر
لم تكن الشركات الصينية التابعة للحكومة وشركة إيلون ماسك الوحيدتين في ميدان السباق. بل دخلت المضمار عدد من الشركات الأخرى. ومن بينها شركة Synchron الأميركية التي اختارت طريقاً مختلفاً تماماً. فبدلاً من فتح الجمجمة، تقوم بزرع جهازها المعروف باسم Stentrode عبر الوريد الوداجي حتى يصل إلى الأوعية الدموية القريبة من الدماغ. هذا الأسلوب يجعل العملية أقل تعقيداً وأقل خطورة بالنسبة للمريض.
بينما تعمل شركة Precision Neuroscience على دمج تقنيات واجهات الدماغ ضمن أنظمة جراحة الأعصاب المستخدمة داخل المستشفيات. وقد حصلت الشركة على موافقات تنظيمية مهمة، كما دخلت في شراكة مع شركة Medtronic لتوسيع استخدام هذه التقنيات في العمليات الجراحية.
في النهاية، لا يزال السباق في بداياته، وبحسب ما توصلت إليه هذه التقنيات إلى الآن يمكن القول أننا أمام ثورة في عالم الطب، قد يقودنا فعلاً إلى مساعدة ملايين الأشخاص حول العالم. لكن خيالنا يسمح لنا بطرح سؤال آخر: هل ستتوصل هذه الشركات إلى تصنيع شرائح تساعد في زيادة معدلات ذكاء الإنسان، أو أن يكون التواصل مستقبلاً بين البشر عبر الأفكار فقط دون الحاجة للكلام؟
اقرأ أيضاً: الصيام لا يضعف الانتباه: الحقيقة العلمية وراء أداء الدماغ خلال رمضان

