رغم حضوره المتكرر في البيوت العربية واستخدامه في المشروبات الشعبية، لا يزال نبات العصفر، واحداً من النباتات التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي مقارنة بما ينسب إليه من فوائد صحية وغذائية محتملة. فهو ليس مجرد مكوّن تقليدي يستخدم للون أو طعم، بل نبات يعود تاريخه إلى آلاف السنين ويُعاد اكتشافه اليوم في سياق علمي مختلف تمامًا.
العصفر نبات قديم… بسيرة طويلة
تشير الأدلة التاريخية إلى أن العصفر كان معروفًا منذ الحضارات القديمة، حيث استُخدم في الصباغة والطب الشعبي والتجميل، قبل أن يدخل لاحقًا في الاستخدامات الغذائية. هذا الامتداد التاريخي الطويل جعله حاضرًا في ثقافات متعددة، من مصر القديمة إلى آسيا، مع اختلاف طرق الاستفادة منه عبر الزمن.
اليوم، لم يعد العصفر مجرد إرث تقليدي، بل أصبح مادة بحثية في عدد من الدراسات التي تحاول فهم تركيبته وتأثيراته المحتملة على صحة الإنسان.
اقرأ أيضاً: حصاد المانجو في صبيا: الزراعة الموسمية كرافعة للاقتصاد المحلي والسياحة الريفية
مكوّنات غذائية وزيوت نباتية
ينتمي العصفر إلى النباتات الغنية بالمركبات الطبيعية، إذ تحتوي بذوره على زيوت نباتية غنية بالأحماض الدهنية غير المشبعة، إضافة إلى مركبات مضادة للأكسدة مثل فيتامين E والفلافونويد. هذه المكونات جعلت زيت العصفر يدخل في نقاشات علم التغذية الحديثة، خصوصاً فيما يتعلق بدوره المحتمل في دعم صحة القلب وتنظيم الدهون في الجسم، رغم أن هذه الاستخدامات لا تزال قيد الدراسة ولم تُحسم بشكل نهائي.
بين القلب والأعصاب… استخدامات شعبية وعلمية
في الاستخدام الشعبي، يرتبط العصفر غالباً بالراحة النفسية وتهدئة التوتر، حيث يشرب كمشروب دافئ في بعض الثقافات بهدف الاسترخاء وتحسين المزاج. هذا الاستخدام التقليدي دفع الباحثين لدراسة تأثيره المحتمل على الجهاز العصبي.
بعض الدراسات الأولية تشير إلى أن مكوناته قد تؤثر بشكل غير مباشر على النواقل العصبية المرتبطة بالمزاج، لكن هذه النتائج ما تزال بحاجة إلى تجارب سريرية أوسع قبل اعتبار العصفر علاجًا معتمدًا لأي اضطراب نفسي.
صحة القلب والتمثيل الغذائي
من أكثر الجوانب التي تحظى باهتمام علمي اليوم علاقة العصفر بصحة القلب، إذ يعتقد أن استبدال الدهون المشبعة بالزيوت الغنية بالأحماض الدهنية غير المشبعة قد يساعد في تحسين مستويات الكوليسترول في الدم. كما تدرس إمكانية مساهمته في تحسين حساسية الجسم للإنسولين ودعم التوازن الأيضي، وهو ما يضعه ضمن قائمة النباتات التي يُنظر إليها كعامل مساعد في الأنظمة الغذائية الصحية، وليس كعلاج مستقل.
الاستخدامات التجميلية والطبية الشعبية
إلى جانب الغذاء، يدخل زيت العصفر في بعض منتجات العناية بالبشرة والشعر، بفضل خصائصه المرطبة ومحتواه من مضادات الأكسدة. ويُستخدم تقليدياً لتحسين نعومة الجلد وتقليل الجفاف، مع ادعاءات شعبية حول دوره في دعم صحة الشعر وفروة الرأس. لكن كما هو الحال في أغلب النباتات الطبية، تبقى هذه الاستخدامات أقرب إلى التجربة الشعبية منها إلى العلاج الطبي المؤكد علمياً.
رغم الصورة الإيجابية التي تُرسم حول العصفر، إلا أن الخبراء يشيرون إلى ضرورة الحذر في بعض الحالات، خصوصًا لدى الحوامل أو الأشخاص الذين يتناولون أدوية تؤثر على تخثر الدم، بسبب احتمالات التداخلات الحيوية. وهذا يعيد التذكير بأن “الطبيعي” لا يعني دائماً “الآمن بالكامل”، وأن الاستخدام الواعي يبقى الأساس.
يبقى العصفر مثالاً لنبات يعيش بين عالمين، عالم التراث الشعبي الذي منحه حضوراً واسعاً، وعالم العلم الحديث الذي ما زال يحاول فهمه بدقة. وبين الاثنين، يظل السؤال مفتوحاً: هل هو كنز صحي غير مستغل بالكامل، أم مجرد مبالغة غذّتها التجربة الشعبية؟

