من يتابع مجال العقارات في السعودية لا يستطيع تجاهل النهضة العمرانية والمشاريع الكبيرة التي يشهدها السوق العقاري. فلم يعد الأمر يقتصر على بناء وحدات سكنية، بل تخطاها إلى منافسة على توسع اقتصادي يجمع وجود بنية تحتية ممتازة ومرافق سياحية وترفيهية ملحقة بالمشاريع. ويظهر هذا بشكل واضح من خلال بيانات الربع الثاني من عام 2026 التي أشارت إلى حفاظ القطاع العقاري السعودي على مستواه النشط، مستفيداً من الدعم الكبير للقطاعات غير النفطية التي تسير بها المملكة.
وبحسب تقرير سوق العقارات الصادر عن شركة “سي بي آر إي الشرق الأوسط”، نما النشاط الاقتصادي غير النفطي بنسبة 2.9% على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3%. لتعطينا الأرقام السابقة معلومات أولية حول أسباب استمرار حركة العقارات.
الرياض في المقدمة.. والطلب على المكاتب يتجاوز المعروض
إذا أردنا توضيح تفاصيل قصة كل مدينة في المجال العقاري سنكتشف أن لكل واحدة منها خلفية مختلفة. فإذا بدأنا بالرياض سنلاحظ أنها ما زالت تتصدر المشهد العقاري والاستثماري في المملكة. فالعاصمة تشهد توسعاً مستمراً في المشاريع السكنية والتجارية والمكتبية، إلى جانب مشاريع البنية التحتية المرتبطة بخطط التنمية والمشاريع الكبرى.
وفي الوقت نفسه، لم يتركز النشاط في الرياض وحدها، إذ شهدت مناطق مكة المكرمة والمدينة المنورة والمنطقة الشرقية وعسير تنفيذ عدد من المشاريع، بمشاركة جهات وشركات مرتبطة بالمشاريع الكبرى، مثل الشركة الوطنية للإسكان، وشركة الدرعية، وشركة إكسبو 2030 الرياض، ورؤى المدينة القابضة.
وخلال الربع الثاني، استمرت أيضاً بقاء عقود كبيرة في البناء والتطوير، مع تقدم عدد من المشاريع الضخمة ومشاريع البنية التحتية في مراحل مختلفة من التنفيذ.
لكن الملفت أكثر كان في سوق المكاتب بالرياض. هنا تحديداً أصبح الطلب على المساحات المكتبية من الفئة “أ” يتجاوز المعروض المتاح، مع توسع الشركات متعددة الجنسيات في المملكة ضمن برنامج المقرات الإقليمية.
ولا يتعلق الأمر بهذه الشركات فقط، فالنمو في قطاعات التقنية والرعاية الصحية والخدمات المالية والاستشارات ساهم أيضاً في زيادة الحاجة إلى المكاتب الحديثة.
وبلغ إجمالي المساحات القابلة للتأجير في سوق المكاتب بالرياض أكثر من 6 ملايين متر مربع، بينما بقي إشغال المساحات المكتبية المتميزة قريباً من الاكتمال. ومع استمرار ارتفاع الطلب على المواقع الرئيسية، حافظت الإيجارات بدورها على قوتها.
السكن يتباطأ.. والأسعار تواصل الارتفاع
إذا انتقلنا إلى القطاع السكني، سنجد أن الصورة مختلفة قليلاً. فقد تراجع عدد المعاملات التي تشمل الشقق والفلل والأراضي خلال الربع الثاني بنسبة 14% على أساس سنوي، ليصل إلى نحو 41 ألف معاملة. كما انخفضت القيمة الإجمالية لهذه المعاملات بنسبة 27%، لتسجل نحو 38 مليار ريال.
قد يبدو هذا التراجع كبيراً للوهلة الأولى، لكن هناك جانب آخر مهم في الصورة، إذ ارتفعت أسعار العقارات السكنية الوطنية بنسبة 2.6% على أساس سنوي. والسبب وراء ذلك يعود بشكل أساسي إلى استمرار الطلب، مقابل محدودية الأراضي في عدد من الأسواق الحضرية الرئيسية. أي أن انخفاض عدد الصفقات لم يعنِ بالضرورة انخفاض الأسعار.
وفي هذه الأجواء، دخلت خلال الربع الثاني اللوائح الخاصة بقانون ملكية غير السعوديين للعقارات حيز التطبيق، بالتزامن مع استمرار التوسع في المشاريع السكنية الكبرى.
ومن المشاريع التي تظهر حجم التوسع مشروع “مورسيا” التابع للشركة الوطنية للإسكان في الرياض، والذي يستهدف تسليم أكثر من 5500 وحدة سكنية بحلول نهاية عام 2026.
لكن زيادة الوحدات السكنية لا تعتمد فقط على المشاريع الحكومية أو الشركات الكبرى، وهنا يأتي القرار الجديد الذي يفتح الباب أمام نموذج مختلف في تطوير الأراضي والإسكان التنموي. فالسعودية أتاحت للمستثمرين تطوير الأراضي المخططة وتنفيذ وحدات سكنية مخصصة للمستفيدين من الإسكان التنموي، مقابل تملك نسبة من تلك الأراضي.
بمعنى أبسط، يحصل المستثمر على فرصة للمشاركة في تطوير الأرض وبناء الوحدات السكنية، بينما تستفيد السوق من تسريع عملية التطوير وزيادة المعروض.
ويرى المختص في الشأن العقاري ورئيس “مجموعة أماكن الدولية” خالد الجاسر أن القرار قد يساعد على إزالة بعض العقبات أمام المطورين، وبالتالي تسريع تطوير الأراضي وزيادة عدد الوحدات السكنية الجديدة. كما يمكن أن يؤدي دخول مزيد من المطورين إلى زيادة المنافسة، وبالتالي توفير مساكن أكثر تنوعاً من حيث المساحات والأسعار والجودة، بما يمنح المستفيد خيارات أوسع.
لكن الجاسر يشير في الوقت نفسه إلى أن نجاح القرار يعتمد بدرجة كبيرة على سرعة تطبيقه واستمرار المبادرات الحكومية الداعمة للقطاع، بالإضافة إلى قوة الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
من المتاجر إلى الفنادق.. العقار يستفيد من نمو الاقتصاد
ولا تتوقف حركة العقارات عند السكن والمكاتب. فهناك قطاعات أخرى تستفيد من تغير نمط الحياة وزيادة الإنفاق في المملكة. فمثلاً قطاع التجزئة من أكثر القطاعات المستفيدة من ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي وزيادة الطلب على الخدمات والأنشطة المرتبطة بأسلوب الحياة، وقد تقول ما علاقته بالعقارات، لكن عند التفكير قليلاً. سنجد أن المجمعات السكنية تحتاج إلى وجود محلات تجارية لتخديمها.
وبحسب بيانات البنك المركزي السعودي، ارتفع إنفاق نقاط البيع من 58.4 مليار ريال في أبريل إلى 63.1 مليار ريال في مايو، مع تسجيل نحو 1.1 مليار معاملة.
ومع استمرار هذا الطلب، من المتوقع دخول نحو 400 ألف متر مربع من المساحات التجارية الجديدة إلى السوق حتى نهاية عام 2026. بينما بقيت معدلات الإشغال مرتفعة، وبلغ متوسط إيجارات المراكز التجارية الكبرى نحو 3275 ريالاً للمتر المربع.
كما يستفيد القطاع الصناعي واللوجستي من نمو التجارة الإلكترونية وتوسع البنية التحتية للنقل، ما يزيد الحاجة إلى المستودعات الحديثة والمساحات اللوجستية. حيث ارتفعت الإيجارات في الأسواق الصناعية الرئيسية بالرياض وجدة نتيجة محدودية المساحات اللوجستية عالية الجودة.
زيادة المعروض.. الخطوة التي ينتظرها السوق
عند جمع هذه التفاصيل معاً، نصل إلى نقطة مهمة، وهي أن السوق العقاري السعودي ينمو، لكن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو تحقيق توازن أفضل بين حجم الطلب والمعروض، وخصوصًا في القطاع السكني.
ولهذا تبدو الخطوات التنظيمية الجديدة مهمة، لأنها لا تستهدف جذب الاستثمارات فقط، وإنما تسعى أيضاً إلى جعل الأراضي قابلة بشكل أكبر للتطوير وتشجيع القطاع الخاص على تنفيذ مشاريع سكنية جديدة.
وهنا تظهر أهمية إشراك المستثمرين في مشاريع الإسكان التنموي، لأنها تساهم في تسريع تطوير الأراضي وزيادة الوحدات المطروحة، وبالتالي تعالج مشكلة قلة المعروض مقارنة بالطلب. وهذا ما ينتظره السوق العقاري السعودي في المستقبل القريب.
وفي النهاية، من الواضح أن هناك دعماً كبيراً من قبل الحكومة السعودية مرهوناً برؤيتها 2030 لدعم القطاع العقاري، ورفع نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن إلى 70% بحلول نهاية العقد. وبالتالي التحديات القادمة يتم معالجتها من خلال العمل على تحويل المشاريع من الورق إلى الواقع، وتسريع عمليات البناء للموازنة بين العرض والطلب.
اقرأ أيضاً: العقار السعودي في لندن: 136 مليون جنيه و15 اتفاقية

