لا يبدو صعود العلا في مؤشر المدن الذكية حدثاً منفصلاً عن المسار السعودي العام، لكنه لا يمكن أيضاً وضعه ببساطة في خانة الترويج أو المجاملة الدولية. ما جرى يفتح سؤالاً عملياً، كيف يمكن لمدينة ليست من أكبر المدن السعودية أن تتقدم بهذه السرعة في مؤشر عالمي، وهل يتعلق الأمر بصورة أفضل، أم بخدمة يومية أكثر انتظاماً ووضوحاً؟
العلا تقدمت في مؤشر IMD للمدن الذكية 2026 من المرتبة 112 إلى المرتبة 85، أي 27 مركزاً خلال عام واحد. هذا تحسن واضح بحد ذاته، لكنه يصبح أكثر دلالة حين نقرأه ضمن طبيعة المؤشر نفسه، وحين نقارنه بما يجري في مدن سعودية أخرى، وبما تغير فعلاً على مستوى الخدمات والبنية الحضرية وطريقة إدارة المكان.
العلا الذكية وما الذي يقيسه المؤشر
مؤشر IMD للمدن الذكية لا ينطلق من عدد التطبيقات ولا من كثافة الحضور التقني الظاهر في الشارع. نسخة 2026 شملت 148 مدينة، واعتمدت على تصورات السكان ضمن آلية ترجيح تمتد لثلاث سنوات، ووزعت التقييم بين ركيزتين رئيستين، هما البنى والخدمات من جهة، والتقنيات من جهة أخرى، ثم قرأتهما عبر الصحة والسلامة، والتنقل، والأنشطة، والفرص، والحوكمة.
هذه النقطة أساسية، لأنها تمنع قراءة نتيجة العلا باعتبارها مكسباً بصرياً أو عمرانياً فقط. المؤشر نفسه يربط الأداء بفكرة الثقة العامة، وبقدرة المدينة على تحويل التقنية إلى منفعة مباشرة، سواء عبر اختصار الوقت، أو تسهيل الوصول إلى خدمة، أو رفع كفاءة الإدارة، أو جعل العلاقة بين السكان والمؤسسة أقل التباساً.
لذلك فإن السؤال الصحيح لا يبدأ من عبارة “مدينة ذكية” بوصفها وصفاً جذاباً، بل من أثر هذا الذكاء في الحياة العادية. هل تحسن الانتقال، وهل أصبحت الخدمات أوضح، وهل صار الوصول إلى المرافق أسهل، وهل يشعر السكان بأن الإدارة تستخدم الأدوات الرقمية لحل مشكلة حقيقية لا لإضافة طبقة جديدة من الخطاب؟ هنا تحديداً تكتسب قفزة العلا معناها.
قفزة ضمن مسار أوسع
نتيجة العلا لا يمكن فصلها عن السياق السعودي الأوسع. ثماني مدن سعودية حضرت في مؤشر 2026، جاءت الرياض في المرتبة 24 عالمياً، ثم مكة في 50، وجدة في 55، والخبر في 64، والمدينة المنورة في 67، والعلا في 85، فيما دخلت حائل وحفر الباطن التصنيف للمرة الأولى. هذا يعني أن العلا ليست حالة شاذة عن المشهد، بل جزء من مسار أوسع تحاول فيه المدن السعودية تحسين قابليتها للعيش وكفاءة خدماتها وموقعها في المؤشرات الدولية.
لكن للعلا خصوصية لا يمكن تجاهلها. فهي ليست مدينة مليونية، ولا مركزاً حضرياً ضخماً يقاس بمنطق الرياض أو جدة. صعودها السريع يوحي بأن المدن الأصغر تستطيع تحسين موقعها حين تكون الاستثمارات أكثر تركيزاً، وحين تكون العلاقة بين المشروع والخدمة أوضح. وفي الوقت نفسه، فإن الانتقال من المرتبة 112 إلى 85 لا يعني أن المدينة دخلت الصف الأول عالمياً أو إقليمياً، بل يعني أنها اقتربت من منطقة أكثر تنافسية من دون أن تستقر فيها بعد.
هذه المسافة بين الإنجاز والاختبار هي التي تعطي النتيجة قيمتها الفعلية. إذا كان برنامج جودة الحياة قد وضع هدف إدخال ثلاث مدن سعودية ضمن أفضل 100 مدينة عالمياً، فإن وجود العلا في المرتبة 85 يجعل هذا الطموح أقل تجريداً وأكثر قابلية للقياس. لكنه يضع المدينة في الوقت نفسه أمام اختبار الاستمرار، لا أمام لحظة احتفال نهائية.
الخدمة هي الاختبار
الوقائع المنشورة عن العلا خلال العامين الماضيين تشير إلى أن التحسن لم يبن على خطاب رمزي فقط. الهيئة الملكية لمحافظة العلا قالت إن رضا المستخدمين عن الأدوات الرقمية والخدمات الذكية بلغ 85%، وإن برنامج “المقاطعة الذكية” يتقدم بوصفه إطاراً يجمع التكنولوجيا مع حماية الطابع الطبيعي والتراثي للمكان. وفي الوقت نفسه، استمر تحديث البنية الأساسية عبر 46 كيلومتراً من الطرق، وتوسعة البنية المساندة للمطار، والمضي في مشروع ترام منخفض الانبعاثات بعد إسناد عقد يتجاوز 500 مليون يورو إلى شركة ألستوم.
هذا الجانب مهم، لكنه لا يشرح الصورة وحده. على مستوى الخدمة المباشرة، تشير البيانات الرسمية إلى أن تغطية المياه بلغت 95% من السكان في 2023، وأن متوسط الاستجابة للطوارئ وصل إلى 6.24 دقائق، وأن مشاركة النساء في سوق العمل بلغت 35%. وتذكر المصادر نفسها أكثر من 6.1 آلاف مستفيد من برامج رفع المهارات، فيما تشير صفحة الشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي إلى تخريج أكثر من 4,800 مستفيد من برامج متقدمة، مع تحديث مركز الرعاية الصحية الأولية في السخيرات وتوسيع بعض المرافق التعليمية والصحية.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تنقل النقاش من اللغة العامة إلى الوقائع. حين تتحسن المياه، ويتقلص زمن الاستجابة، وتتوسع المهارات، ويزداد حضور النساء في سوق العمل، يصبح الحديث عن جودة الحياة أقل إنشائية. وعند هذا الحد تحديداً يمكن فهم سبب صعود العلا في المؤشر، لا بوصفه ثمرة مشروع واحد، بل نتيجة تراكم بين البنية الأساسية والخدمة العامة ورأس المال البشري.
الحوكمة وما تولده
الطبقة الأصعب في أي تجربة للمدن الذكية تبقى طبقة الحوكمة. فالمشروعات الكبيرة، مهما كان حجمها، لا تضمن وحدها شعوراً عاماً بالتحسن. ما يصنع هذا الشعور هو انتظام الخدمة، وسهولة الوصول، ووضوح الجهة المسؤولة، وقدرة المؤسسة على تحويل الإنفاق إلى إجراءات مفهومة في حياة الناس. من هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة نتيجة العلا بوصفها انعكاساً لطريقة إدارة المشروع، لا لحجم المشروع وحده.
المخططات الرسمية تعزز هذه القراءة. مبادرة “نحو مجتمع مزدهر” تربط تحسين جودة الحياة بالخدمات البلدية والصحية والتعليمية والمساحات العامة، كما تربط التنقل بالحلول الرقمية والسياسات الحضرية. أما مخطط “رحلة عبر الزمن” فيقدم فكرة أكثر تركيباً، تقوم على إعادة تنظيم المجال الحضري حول النقل منخفض الانبعاثات، والمساحات العامة، واستعادة الواحة الثقافية، بحيث تصبح التقنية أداة لتنظيم المكان لا بديلاً عنه.
هذه النقطة بالذات تمنح العلا خصوصيتها. المدينة تتحرك في مساحة حساسة تجمع بين السياحة والتراث والحياة المحلية. أي اختلال بين هذه العناصر يمكن أن يضعف معنى التقدم في المؤشر. فإذا طغت صورة الوجهة على حاجات السكان، أصبح الصعود هشاً. أما إذا ظلت الاستثمارات مرتبطة بخدمة يومية مستقرة، فإن مفهوم الحوكمة الذكية يكتسب معنى عملياً، ويتحول من عنوان إداري إلى عنصر ثقة عامة.
ما الذي يبقى قيد الاختبار
ينبغي هنا التعامل مع نتيجة العلا بقدر من الحذر المهني. المؤشر لا يقدم تدقيقاً إدارياً شاملاً، بل قراءة مبنية على إدراك السكان لمدى نفع الخدمات والتقنيات في حياتهم. وهذه ميزة مهمة، لكنها لا تجعل الترتيب حكماً نهائياً على كل ما يجري في المدينة. فقد تتحسن نقاط الاحتكاك الأساسية مع الناس، فيما تبقى ملفات أخرى، مثل الكلفة أو ضغط الزوار أو استدامة الخدمة، بحاجة إلى وقت أطول حتى تظهر بوضوح.
لهذا فإن المعنى الأوسع لقفزة العلا لا يكمن في أنها أصبحت نموذجاً مكتملاً، بل في أنها تقدم مثالاً على الطريقة التي يمكن أن تصعد بها المدن السعودية حين يضيق الفاصل بين المشروع والخدمة. الصعود يبدأ عندما تتحول الخطط إلى ماء يصل، وطريق يعمل، ومرفق صحي يتحسن، ومعلومة أوضح، وإجراء أقل تعقيداً، ووقت أقل هدراً. عندها يصبح التحسن قابلاً للقياس والتثبيت معاً.
خلاصة الأمر أن العلا حققت تقدماً حقيقياً، لكن قيمته النهائية ستتحدد لاحقاً بقدرتها على الاستمرار. ليس المهم عدد المنصات أو حجم الترويج، بل مقدار ما يتحول من ذلك إلى خدمة مستقرة وثقة عامة ومكاسب يومية للسكان. هناك فقط يبدأ معنى المدينة الذكية فعلاً، وهناك أيضاً يمكن فهم كيف تصعد المدن السعودية في مؤشرات جودة الحياة والخدمات من دون أن ينفصل التصنيف عن الواقع.
اقرأ أيضاً: طواف العلا 2026 رحلة تستحق التجربة

