مع اقتراب فصل الصيف في مرتفعات عسير، تظهر عناقيد العنب على المدرجات الزراعية، وهو مشهد يضرب بجذوره في تاريخ طويل من التقاليد الزراعية المتوارثة. فعلى مر القرون، دأب السكان المحليون على زراعة الكروم، مما جعل هذه الفاكهة جزءاً لا يتجزأ من الهوية الزراعية وتراث المنطقة. ورغم أن زراعة العنب اعتمدت طويلاً على الأساليب التقليدية، إلا أن القطاع شهد تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، إذ ساهم إدخال التقنيات الحديثة وبرامج الدعم الزراعي في تحسين جودة المنتجات وتعزيز القدرة التنافسية للمزارعين في الأسواق المحلية.
عسير.. مركز رئيسي لإنتاج العنب العسيري وتنوع أصنافه
بفضل موقعها الجغرافي الفريد ومناخها المعتدل وتربتها الخصبة، تعتبر منطقة عسير المركز الرئيسي لإنتاج العنب في المملكة، حيث تنتج مزارع عديدة منتشرة في أرجاء المنطقة أصنافاً متنوعة لتلبية طلب المستهلكين. ويُعرف مركز “الماوين” الواقع شمال مدينة أبها، بأنه أحد أشهر مناطق زراعة العنب. إذ حافظ المزارعون هناك على الأصناف المحلية مع إدخال أصناف حديثة مثل الأصناف الإيطالية والفرنسية وصنف “سوبيريور”، بهدف تنويع الإنتاج ورفع مستوى الجودة.
“تحبيس العنب”، تقنية زراعية متوارثة لزيادة الإنتاجية. لا تزال الممارسات الزراعية التقليدية سائدة في مزارع عسير، ومن أبرزها عملية تُعرف بتحبيس العنب (أي توجيه وتثبيت نمو الكرمة)، وهي تقنية توارثها المزارعون جيلاً بعد جيل.
تبدأ هذه العملية في شهر مايو مع ظهور الثمار، حيث يتم تخفيف الأوراق المحيطة بالعناقيد لتحسين تدفق الهواء وتعريضها لأشعة الشمس، مما يعزز عملية النضج ويرفع جودة الثمار قبل حلول موسم الحصاد في شهري يوليو وأغسطس.
اقرأ أيضاً: الجوف.. سلة فاكهة المملكة بين الأرقام والمشهد الزراعي
مزارعو “الماوين” يحولون الخبرات التقليدية إلى استثمارات منتجة
في منطقة “الماوين”، تجسد تجربة أحد المزارعين قصة التحول في زراعة العنب بعسير، فقد بدأ رحلته قبل أكثر من 25 عاماً، ونجح في تحويل مزرعته إلى مشروع إنتاجي متكامل يضم العديد من كروم العنب إلى جانب محاصيل أخرى مثل الرمان والتين والتوت والكرز والليمون والبن العربي. ويؤكد المزارعون أن زراعة العنب ليست مجرد مصدر للدخل، بل هي مهنة تجسد تاريخ المنطقة وتراثها.
تواصل الأسر المزارعة الحفاظ على الأصناف المحلية العريقة، ولا سيما عنب “الرازقي” بنوعيه الأسود والأحمر. تشير أحدثت التطورات في المجال الزراعي نقلة نوعية في إدارة مزارع العنب، إذ بات العديد من المزارعين يعتمدون أنظمة ري حديثة وتقنيات دقيقة للتسميد، فضلاً عن مراقبة صحة الأشجار. كما ساهمت برامج حماية المحاصيل في الحد من انتشار الآفات والأمراض بفضل المراقبة المستمرة والتدخل المبكر، مما أدى إلى جودة فائقة للثمار وتقليل الخسائر الموسمية.
من تجهيز التربة إلى الحصاد.. رحلة طويلة وراء كل عنقود
تبدأ دورة إنتاج العنب في فصل الشتاء، حيث يقوم المزارعون بتنظيف الحقول وإزالة بقايا الموسم السابق وتجهيز التربة، ثم إضافة الأسمدة العضوية والعناصر الغذائية التي تحتاجها الأشجار. ومع اقتراب الصيف، تبدأ الثمار في النضج تدريجياً لتدخل مرحلتي الحصاد والتسويق، حيث يختار المزارعون بعناية العناقيد عالية الجودة لضمان وصول محصول متميز إلى الأسواق.
ساهمت المشاتل المتخصصة في توسيع نطاق زراعة العنب في المنطقة من خلال إنتاج شتلات جديدة لأصناف متنوعة وتوفيرها للمزارعين الراغبين في توسيع بساتينهم. وتساعد هذه المبادرة في الحفاظ على الأصناف المحلية، مع تسهيل إدخال أصناف جديدة تتلاءم مع الظروف الزراعية ومتطلبات السوق الخاصة بإنتاج العصائر.
الحصاد الحديث يحافظ على جودة العناقيد
شهدت عملية حصاد العنب تحولاً كبيراً نحو أساليب أكثر تنظيماً تضمن سلامة الثمار، وذلك باستخدام الأدوات المناسبة وفرز العناقيد قبل طرحها للبيع. وتسهم هذه الإجراءات في رفع جودة المنتج وتعزيز ثقة المستهلكين في العنب المحلي. يعتبر عنب عسير نموذجاً للتوازن بين الماضي والحاضر، إذ تتضافر خبرات المزارعين المتوارثة مع التقنيات الحديثة لإنتاج ثمار ذات قيمة اقتصادية وثقافية. وفي ظل استمرار جهود تطوير القطاع الزراعي، يظل عنب عسير منتجاً يعكس هوية المنطقة ويساهم بفعالية في التنمية الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي في المملكة.

