القراءة نافذة يطلّ منها الإنسان على عوالم المعرفة، فهي غذاء للعقل ومنارة للدرب، تُبنى بها الأفكار وتتوسع المدارك وتُصقل شخصية الفرد. في السعودية، تزايد الاهتمام بالقراءة في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، حيث برزت مبادرات وطنية ومؤسساتية تشجع على نشر الثقافة وتعزيز عادة القراءة بين مختلف فئات المجتمع، مثل معارض الكتاب الدولية، والأنشطة الثقافية، والمكتبات العامة، فضلاً عن المبادرات الرقمية التي سهّلت الوصول إلى مصادر المعرفة. هذا الإقبال يعكس وعياً متنامياً بأهمية القراءة كأداة لبناء مجتمع معرفي قادر على مواكبة التطورات وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، فهل عادت القراءة إلى السعودية حقاً في الزمن الذي تذهب به من أماكن أخرى؟
أهمية القراءة ودوروها في تنمية مجتمع السعودية
القراءة من أهم الوسائل التي تسهم في بناء المجتمعات وتقدمها، فالقراءة تتعدى كونها مجرد وسيلة للتسلية أو قضاء الوقت، بل تشكل الأداة الأساسية لاكتساب المعرفة وتطوير الفكر وصقل المهارات.
من خلال ممارسة القراءة يستطيع الفرد تنمية قدرته على التفكير النقدي والتحليلي، وأن ينهل ويكتسب معارف متنوعة تعزز وعيه بدوره في المجتمع.
المجتمعات التي تعتني بالقراءة تكون أكثر قدرة على الابتكار والإبداع والتطوير، لأنها تعتمد على رصيد معرفي متجدد يفتح آفاقاً واسعة للتطور العلمي والثقافي وخزانها الثقافي والمعرفي يكون مكتمل ما يساعدها على مواكبة التطورات من حولها. بذلك تصبح القراءة ركيزة رئيسية في بناء مجتمع واعٍ ومزدهر قادر على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبل أفضل وأكثر تقدماً.
اقرأ أيضاً: معرض جازان للكتاب 2025: نافذة على الأدب والثقافة
إقبال السعوديين على القراءة في 2025
تقول الإحصائيات أن نسبة سيطرة قراءة الكتب على السعوديين تقدّر بـ47%، إذ تجمعهم بالكتب علاقة ودّ تتمثل في القراءة والتصفح. خلال العام 2024، سجّل المواطنون والأجانب في السعودية قراءة كتاب واحد على الأقل بـ 48.5%، مقابل 51.5% لم يقرؤوا أي كتاب.
في سياق متصل، كشف تقرير الثقافة والترفيه الأسري لعام 2024 عن تفضيل السعوديين 3 وسائل لقراءة الكتب، حيث تصدرت الورقية بـ54.7%، والرقمية ثانياً بـ37%.
أجرى المركز السعودي لاستطلاعات الرأي استطلاعاً حول أكثر جيل قراءة للكتب في المملكة في العام 2024، ليحتل “جيل z” المرتبة الأولى وهو الجيل الذي يمثل الفترة الزمنية ما بين (1997-2012) بنسبة 48%، يليه “جيل y” بالمرتبة الثانية وهو الجيل الذي يمثل الفترة الزمنية ما بين (1997-1981) بنسبة 47%.
في دراسة سابقة أيضاً للمركز السعودي لاستطلاعات الرأي في العام 2023، بيّن المركز أن الإناث السعوديات يقرأن الكتب أكثر من الذكور، لافتاً إلى أن هذا متفق مع الإحصائيّات الدولية للدول الأخرى، حيث إن 34% من السعوديين يعتبرون قراءة الكتب باستثناء (القرآن الكريم، وكتب الأحاديث النبوية، والمدرسية) جزءاً من جدولهم اليومي أو الأسبوعي، في حيّن بين المركز أن 84% من السعوديين الذين يقرؤون الكتب يرون الكتاب جليساً لهم في المنزل، وليس رفيقاً خارجه وأن 69% ممن يقرؤون الكتب يفضلون ألا تزيد عدد صفحات الكتاب عن 200 صفحة.
كشف تقرير الثقافة والترفيه الأسري للعام الماضي 2024، عن أن 82.8% من الأفراد السعوديين والأجانب لم يقرؤوا المجلات، مقابل 17.2% منهم قرؤوا المجلات، على الجانب السعودي، سجلت قراءة السعوديين للمجلات 15.5%، فيما تفوقت الإناث السعوديات في قراءة المجلات مقارنة بالقراء السعوديين، حيث بلغت نسبة الإناث القارئات للمجلات 17%، مقابل 13.9% قراءة الذكور.
السعوديون يستخدمون وسيلتين لقراءة المجلات هي: القراءة الورقية، والقراءة الرقمية الإلكترونية، حيث يفضل 14% من السعوديين قراءة المجلات ورقيا، مقابل 86% يفضلون قراءة المجلات بشكل رقمي إلكتروني.
سجلت المناطق السعودية تنافساً فيما بينها لتسجيل أعلى نسبة قراءة، فاستحوذت منطقة المدينة المنورة على النصيب الأكبر من قراءة المجلات، كأكثر مناطق المملكة قراءة للمجلات بـ 19.2%، وحلت منطقة مكة المكرمة ثانياً بـ 19%، وجاءت الحدود الشمالية ثالثاً بـ 18.6%، والرياض رابعاً بـ17.7%، وعسير خامسا ًبـ 17.1%، والباحة سادساً بـ 17%، والمنطقة الشرقية سابعاً بـ 16.3%.
أما نسب القراءة الورقية والالكترونية كانت على الشكل التالي:
القراءة الورقية: تصدرت منطقة عسير، قراءة المجلات بشكل ورقي، كأكثر مناطق المملكة قراءة للمجلات بالشكل المذكور بنسبة قدّرت 20.7%، وحلت منطقة تبوك ثانياً بنسبة بلغت 19.9%، أما المنطقة الشرقية جاءت ثالثاً بـ 18.7%، والجوف رابعاً بنسبة 18.4%، ونجران خامساً بـ18%، واحتلت مكة المكرمة المرتبة السادسة بـ 17.5%، والقصيم سابعاً بـ16.7%، والرياض ثامناً بنسبة 16.6%.
القراءة الإلكترونية: منطقة حائل سيطرت على قراءة المجلات إلكترونياً، كأكثر مناطق المملكة قراءة إلكترونية للمجلات بنسبة بلغت 91.2%، وحلت منطقة الباحة ثانياً بـ 88.3%، جاءت الحدود الشمالية ثالثاً بـ 86.9%، والمدينة المنورة رابعاً بنسبة 86.2%، وجازان بالمرتبة الخامسة بـ 83.9%، والرياض سادساً بنسبة 83.4%، والقصيم سابعاً بـ 83.3%، ومكة المكرمة ثامناً بـ 82.5%.
اقرأ أيضاً: مكتبات إلكترونية في مولات جدة بالمجان!
الأنشطة الثقافية والمعارض الداعمة للقراءة في السعودية
أطلقت هيئة الأدب والنشر والترجمة في البلاد النسخة الرابعة من معرض المدينة المنورة للكتاب 2025، بمركز الملك سلمان الدولي للمؤتمرات، يوم الثلاثاء الموافق 29 يوليو 2025، استمر المعرض على مدى 7 أيام حتى 4 أغسطس 2025.
نظّم المعرض تحت شعار “المدينة تقرأ”، ويُعتبر المعرض ضمن مبادرة “معارض الكتاب في السعودية” وهي إحدى المبادرات الاستراتيجية للهيئة، التي تسعى إلى تمكين صناعة النشر، وتحفيز الوعي الثقافي والمعرفي، تماشياً مع أهداف رؤية السعودية 2030.
هذا المعرض أدرج مترجمي لغة الإشارة، في عدد من الفعاليات والندوات الثقافية المصاحبة، ذلك كخطوة تهدف إلى تمكين فئة “الصم” من التفاعل المباشر مع الأنشطة الثقافية والمعرفية، فالسعودية تعتني بكل فئات المجتمع.
كما تنظم المملكة معرض الرياض الدولي للكتاب، والذي يعتبر نافذة ثقافية تجمع صناع الأدب والنشر والترجمة من مختلف أنحاء العالم، ويتم عبره تبادل المعرفة والثقافة.
من خلال المعرض يجري دعم صناعة النشر في المملكة، وتعزيز القراءة في المجتمع، كما يتيح فرصة تقديم أحدث المؤلفات والإصدارات الأدبية للقراء والمهتمين، والإقبال يتزايد عاماً بعد عام.
بدورها نظّمت هيئة الأدب والنشر والترجمة، لقاءً افتراضياً بعنوان “معارض الكتاب السعودية بين القيمة المضافة والتأثير الثقافي المستدام” في العام 2024 لمناقشة التأثير الثقافي لمعارض الكتاب وأهميتها، بالإضافة إلى العديد من المحاور الأخرى، حيث تعد معارض الكتاب من الأعمدة الأساسية في الثقافة بالسعودية.
اقرأ أيضاً: معرض الكتاب في الرياض يحتفل بعام الإبل
ختاماً، القراءة تلقى انتشاراً واسعاً في المملكة، ما يدل على إقبال السعوديين على المطالعة وإثراء أفكارهم وتنمية مداركهم. الإقبال على المطالعة له انعكاس على المجتمع السعودي، إذ تجعل المطالعة منه مجتمع أكثر وعياً وثقافة، وليس علينا سوى الانتظار لقياس هذه التأثيرات بشكل واسع النطاق على المملكة وشعبها.

