تعتبر صناعة الدواء في السعودية من القطاعات الاستراتيجية التي تشهد نمواً متسارعاً في إطار رؤية 2030، حيث تسعى المملكة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الدوائي وتعزيز قدراتها التنافسية على المستويين الإقليمي والعالمي. وقد أسهمت الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية والتقنية في تطوير القطاع الدوائي، مع التركيز على الأبحاث والابتكار لتوطين التقنيات الحديثة ودعم الصناعات الحيوية.
كما برزت ابتكارات طبية سعودية نوعية، سواء في مجال تطوير العلاجات الحيوية واللقاحات أو في توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لتحسين الخدمات الصحية. ويعكس هذا التوجه التزام المملكة ببناء منظومة دوائية متقدمة تسهم في تعزيز الأمن الصحي وتقديم حلول علاجية مبتكرة تتماشى مع المعايير العالمية.
تطور القطاع الدوائي في السعودية
تطور القطاع الدوائي في السعودية تطوراً نوعياً، ما جعلها تحقق الاكتفاء الذاتي في العديد من الأدوية، مستندة إلى وفرة المصانع المحلية وبرامج التوطين، وهو ما عزز من الأمن الدوائي الوطني.
تماشياً مع رؤية المملكة 2030، برزت الصناعات الدوائية كأحد القطاعات الحيوية الداعمة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الواردات، حيث بلغ حجم سوق الأدوية أكثر من 35 مليار ريال في 2024، ليصبح الأكبر في الشرق الأوسط ويتحول إلى مركز جذب للاستثمارات العالمية.
كما تميزت البلاد بتصنيع أدوية مطابقة للمعايير الأوروبية والأمريكية (GMP/FDA)، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحكم الآلي في خطوط الإنتاج، إلى جانب إطلاق برامج وطنية للأبحاث السريرية بالشراكة مع الجامعات.
كل ذلك أسهم في تحقيق التفوق الصناعي، بالتالي ضمان توفر الأدوية الحساسة والمزمنة محلياً، وزيادة الصادرات إلى الخليج وإفريقيا وبعض الأسواق الأوروبية، إلى جانب تسويق المستحضرات تحت علامات سعودية ودولية، بما رفع إسهام القطاع في الاقتصاد الوطني ورسخ مكانة المملكة كأحد أبرز اللاعبين الإقليميين في صناعة الدواء.
اقرأ أيضاً: مرض الزهايمر في السعودية.. ما الجديد المطروح بخصوصه؟
حجم نمو قطاع الأدوية في المملكة.. وما أبرز عوامل هذا النمو
قطاع الأدوية في البلاد تغير جذرياً، حيث بلغت قيمته نحو 12.6 مليار دولار في العام 2023، ومن المتوقع أن يسجل ارتفاعاً مستداماً بمعدل نمو سنوي مركب قدره 7.6 في المائة حتى عام 2030. وتسعى البلاد لتوطين 40 في المائة من تصنيع الأدوية بحلول العام ذاته، مما يعكس التوجه نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
قال وزير الصحة “فهد بن عبد الرحمن الجلاجل”، إن قطاع الأدوية في المملكة حقق نمو سنوي يقارب 10 % في العام 2024، وأضاف أن التوقعات تشير إلى أن حجم القطاع سيصل إلى أكثر من 72 مليار ريال بحلول عام 2030، ما يعكس التطور السريع لهذا القطاع بين دول العشرين.
نجاح المملكة في قطاع الصناعات الدوائية لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج رؤية استراتيجية واضحة استندت إلى بنية تحتية صناعية متقدمة ومتطورة بتراكم السنين، من خلال إنشاء مدن صناعية متخصصة مثل مدينة سدير للصناعة والأعمال ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية (KAEC)، المجهزة بمختبرات جودة وخطوط إنتاج حديثة ومراكز توزيع بمعايير عالمية.
أولت المملكة اهتماماً ودعماً كبيراً لتنمية الكفاءات الوطنية عبر برامج تدريب وابتعاث وافتتاح كليات متخصصة في الصيدلة الصناعية والأبحاث الدوائية، مما رفع نسب السعودة في المناصب الفنية والإشرافية.
إضافةً لكل ما سبق، دعمت الدولة الابتكار عبر الأبحاث السريرية، وتوطين أدوية متقدمة مثل أدوية الأورام البيولوجية لأول مرة في العالم العربي، مع حصول المنتجات السعودية على اعتراف من منظمات دولية مثل WHO وEMA.
كما أسهمت مبادرات مثل برنامج صنع في السعودية، وهيئة الغذاء والدواء السعودية، والصندوق الصناعي في تعزيز ثقة الأسواق العالمية، تسريع التسجيل، وتوفير التمويل للمصانع. كل تلك المنظومة المتكاملة جعلت السعودية تحقق الاكتفاء الذاتي في العديد من الأدوية، وتزيد صادراتها إلى الخليج وإفريقيا وأوروبا، لتصنع من نفسها لاعب إقليمي مؤثر ومركز جذب للاستثمارات العالمية، مرسخةً بذلك مكانتها كمركز إقليمي وعالمي للصناعات الدوائية ضمن مستهدفات رؤية 2030.
اقرأ أيضاً: اكتشاف دواء جديد يؤخر أعراض مرض الزهايمر
أبرز الاختراعات الدوائية في السعودية
وصل حجم سوق الأدوية في البلاد إلى 9.2 مليار دولار أمريكي في عام 2023. وبالنظر إلى المستقبل، تتوقع مجموعة “IMARC” أن يصل السوق إلى 11.5 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ %2.52 خلال الفترة (2024-2032).
يعد من الأسباب والعوامل الرئيسية وراء الانتعاش في هذا السوق إلى: التوسع السكاني السريع، وزيادة احتياجات الرعاية الصحية، وزيادة المبادرات الحكومية في تحسين قطاع الرعاية الصحية، وتضخيم مستويات الدخل، وتزايد الوعي الصحي بين الجماهير، واستمرار الاستثمارات في تطوير الأدوية المتقدمة.
وفقاً لمنصة “Statista”، من المتوقع أن تشغل أدوية الأورام النسبة الأكبر من السوق بحجم سوق يُتوقع بلوغه 1.08 مليار دولار أمريكي ، وأشارت المنصة إلى بلوغ الإيرادات معدل نمو سنوي بنسبة 6.08% خلال الفترة (2024م-2028)، وهو ما يشير إلى حجم سوق يبلغ نحو 7.04 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2028.
نتج عن هذا النمو في قطاع صناعة الأدوية في البلاد دخول عدة تقنيات ومنتجات نوعية لأول مرة على مستوى التصنيع الكامل، فعلى سبيل المثال لا الحصر: تمّ تصنيع أول منتج شبيه حيوي Biosimilar في المملكة Low molecular weight heparine (enoxaparine) بالكامل من خلال تطوير الملف بالكامل في المملكة وتسجيله في الهيئة العامة للغذاء والدواء.
من جانب آخر اكتمل إنشاء أول مصنع من نوعه في منطقة الخليج لتصنيع الأدوية التنفّسية عالية التقنية Dry powder inhalers وMetered dose inhalers، وهناك إمكانات لتصنيع الحقن المعقمة بطريقة “lyophilized products”، كما تحوي السعودية على المصنع الوحيد في منطقة الخليج لتصنيع المواد الصيدلانية الفعّالة APIs تحت تصنيف ممارسة التصنيع الجيد (GMP).
أبرز الابتكارات الدوائية في المملكة، هو تطوير “سواغ نانوي” من مخلفات التمور، والذي يساهم في توصيل الأدوية بشكل أسرع، بالإضافة إلى إنشاء “لجنة صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية” بهدف تنمية وتوطين هذه الصناعات الاستراتيجية.

