القطاع المالي من أهم دعائم الاقتصاد في البلاد، بل ويعتبر من ركائزها الأساسية، ونمو هذا القطاع يعني نمو مجمل مفاصل الدولة وازدهار اقتصادها، فهذا القطاع هو المحرك الأساسي للاقتصاد، والعصب المحرك لكافة العمليات التشغيلية والمشروعات والفعاليات الاقتصادية، فهو من يقدم السيولة للدولة وعلى باقي القطاعات أن تحولها من دين أو رأس مال إلى ربح.
في السعودية تم وضع أهداف محددة لبرنامج تطوير القطاع المالي بما يخدم مستهدفات رؤية 2030 في تطوير هذا القطاع وتنميته، فهل تحققت هذه الغاية؟
التحديات التي واجهت القطاع المالي منذ انطلاق الرؤية
من أبرز التحديات التي اعترضت برنامج تطوير القطاع المالي لاسيما في العام 2022، الاعتماد على التمويل المصرفي بدل أدوات الدين. أي أنَّ التركيز في التمويل كان على القروض المصرفية المباشرة بدل إصدار الشركات “التي تحتاج التمويل” لأدوات دين يشتريها الجمهور، وقد بلغت نسبة أدوات الدين (4%) فقط من سوق التمويل في المملكة في ذلك الوقت.
والتحدي الثاني كان قد تمثل في التركز العالي في سوق الأسهم ما يعني أن القيمة السوقية المتداولة في السوق، هي صدرت في معظمها من عدد محدود من الشركات الكبرى، أما باقي الشركات بقيت على هامش السوق من حيث السيولة والتأثير في نطاقات التداول.
وبرز تحدي ثالث تمثل في ضعف الاستثمار المؤسسي، وهذه من المشكلات الهيكلية التي استهدفت القطاع المالي وعرقلته لفترة من الزمن. لكن التحدي الأبرز تمثل في وجود ثغرات في الشمول المالي أي أنَّ نسبة الخدمات التي تقوم بتقديمها المصارف العاملة في المملكة متفاوتة قياساً بعدد السكان وفئاتهم، على سبيل المثال المناطق الريفية أو النساء.
اقرأ أيضاً: أحمد الوابلي.. قيادة استراتيجية وخبرة راسخة في القطاع المالي السعودي
برنامج التطوير على ماذا يقوم، وماذا يستهدف؟
تم إطلاق برنامج التطوير المالي في المملكة في العام 2018 بمثابة خطوة استراتيجية الهدف منها تعزيز قوة وكفاء المؤسسات المالية في البلاد. إلى جانب تطوير السوق المالية السعودية بشكل عام والمحلية بشكل خاص وتحويل السوق في المملكة إلى سوق مالية عالمية.
يشمل هذا البرنامج العديد من القطاعات الفرعية: البنوك والتأمين وأسواق الأسهم والدين، ويدار بالشراكة مع جهات تشريعية وتنظيمية في القطاع المالي مثل البنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية وغيرها من الهيئات الفاعلة بالقطاع، والمطلوب من تلك الجهات أن تتفاعل وتتكامل لضمان الاستقرار المالي وتعزيز النمو المستدام في البلاد.
من أهداف البرنامج ترسيخ مكانة السعودية عالمياً والارتقاء بتنافسية القطاع المالي وبلوغ أعلى التصنيفات الدولية. ويحسب للبرنامج إطلاق استراتيجية التقنية المالية كمحور أساسي لتطوير القطاع، والترخيص لثلاثة بنوك رقمية محلية مجسداً بذلك توجه المملكة نحو الرقمنة المالية. ولقيادة القطاع المالي وريادته بالمستقبل دعم هذا البرنامج تأسيس الأكاديمية المالية التي تعنى بتأهيل الكوادر الوطنية وتمكينها من قيادة القطاع المالي للبلاد وتطويره.
وقد أعلن البرنامج في السعودية البارحة 13 يوليو، عن إصدار تقريره السنوي للعام 2024، والذي يعكس إنجازات البرنامج خلال العام الماضي ويحيط بأهدافه المستقبلية ضمن إطار رؤية السعودية 2030. يسلط التقرير الضوء على المشاريع والمبادرات التي نفذها البرنامج، من أجل عزيز تطور القطاع المالي ودعم النمو الاقتصادي.
من جانبه أكد وزير المالية رئيس لجنة برنامج تطوير القطاع المالي محمد بن عبدالله الجدعان خلال كلمته بمناسبة إصدار التقرير، أن: “برنامج التطوير يواصل رحلة النجاح وتحقيق الإنجازات ضمن منظومة برامج رؤية السعودية 2030 من خلال إسهامه الفعّال في بناء مستقبل اقتصادي يرسّخ مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، ويعكس حجم التطور الذي تشهده كل قطاعات الدولة”.
كما بيّن أن البرنامج عزز خلال العام الماضي من تفعيل دور التقنية المالية في تطوير القطاع المالي، ومن إنجازاته أنه وصل عدد شركات التقنية المالية المرخصة إلى 261 شركة بنهاية العام 2024، وعزيز منظومة المدفوعات الرقمية عبر موافقة البنك المركزي السعودي على بدء تعاملات “بنك دال 360″، وارتفعت حصة المدفوعات الإلكترونية لتصل الى 79% من إجمالي عمليات الدفع للأفراد في عام 2024.
وأكد الوزير على استمرار زخم السوق المالية السعودية عبر تطوير اللوائح والقواعد التنظيمية، وتوفير بيئة داعمة للشركات، والموافقة على طرح وإدراج 44 شركة، ليصل عددها الإجمالي إلى 353 شركة بنهاية العام 2024.
اقرأ أيضاً: (ACCA) تدعم تمكين المرأة في القطاع المالي لتحقيق رؤية 2030
القفزات المحققة بفعل برنامج التطوير
شهدت السوق السعودية تنامي في قيمة ملكية المستثمرين الأجانب، حيث ارتفعت من 110 مليارات ريال في عام 2016 إلى 498 مليار ريال بحلول 2024 بنمو 353%، ويعكس هذا جاذبية السوق للاستثمارات العالمية، وثقة المستثمرين في الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تنتهجها السعودية.
بدورها حققت القيمة السوقية للتداول كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي “باستثناء أرامكو” هدف الرؤية 80.8% بعدما ارتفعت من 67% في عام 2019 إلى 87% في 2024، ويشير هذا الارتفاع إلى عمق واتساع السوق المالية وقدرتها على استيعاب مزيد من الاستثمارات.
على صعيد الشركات، ارتفع عدد الشركات المدرجة في السوق المالية من 205 شركات في 2019 إلى 353 شركة في 2024، هذا التوسع يبرز إقبال الشركات على طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما يوسع قاعدة المستثمرين ويحسن كفاءة الاستثمار، ويوفر قناة تمويلية للشركات، ما يسهم في ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي.
أما موجودات البنوك التجارية فشارفت على تحقيق أهداف الرؤية بعدما ارتفعت من 2.6 تريليون ريال في 2019 إلى 4.5 تريليون ريال في 2024.
اقرأ أيضاً: المصارف السعودية.. تقود القطاع المالي في العالم العربي
ختاماً، تنامي حجم القطاع المالي يعزز من قدراته التمويلية ليكون فاعلاً في دعم المشاريع العملاقة، مما ينعكس على الاقتصاد الوطني ويحسنه وينوعه، ويجعل من السوق السعودية سوقاً عالمية ومستقطبة للاستثمارات.

