في الرياض بقيت طاولات مطاعم كثيرة مشغولة، بينما كان مدير مصنع ينتظر مادة تأخرت في البحر، وفندق يعوّض غياب زائر أجنبي بعائلة جاءت من مدينة سعودية أخرى. هذه المشاهد المتجاورة تختصر أول اختبار حربي كبير للقطاع غير النفطي. في مارس 2026 انكمش نشاط الشركات الخاصة للمرة الأولى منذ أغسطس 2020، ثم عاد مؤشر مديري المشتريات فوق مستوى النمو في أبريل وارتفع إلى 52.8 نقطة في مايو.
جاء الاختبار بعدما رفع عقد من رؤية 2030 حصة الأنشطة غير النفطية إلى نحو 55 في المئة من الناتج، وسجلت نمواً قوياً في 2025. الحرب لا تمحو التقدم، لكنها تسأل هل يستطيع القطاع توليد الطلب والتمويل والصادرات عندما تتعطل الممرات، أم يبقى زخمه متصلاً بعائد النفط؟ الإجابة حتى الآن ليست نجاحاً كاملاً ولا فشلاً، بل مرونة داخل حدود واضحة.
الضربة ظهرت في دفتر الطلبات
هبط مؤشر مديري المشتريات من 56.1 نقطة في فبراير إلى 48.8 في مارس، وانخفض مكون الطلبات الجديدة إلى 45.2. كانت تلك أول قراءة دون الخمسين في أكثر من خمس سنوات، مع توقف بعض الصادرات واضطراب سلاسل الإمداد وتأجيل العملاء قراراتهم. لم تحتج الصدمة إلى تدمير مصنع كي تظهر، فقد وصلت أولاً في مكالمة مؤجلة وشحنة لم تخرج وعقد فضّل صاحبه الانتظار.
تكشف سرعة الهبوط حساسية الأعمال للثقة والحركة الإقليمية. فالنقل والسياحة والتجارة والبناء والصناعة تستهلك وقوداً ومدخلات وتحتاج موانئ وسماء مفتوحة. التنويع يوزع مصادر الدخل، لكنه لا يجعل المطعم أو المصنع محصناً من حرب تغير سلوك العميل وكلفة المورد معاً.
فوق الخمسين لا يعني العودة إلى الطبيعي
عاد المؤشر إلى 51.5 نقطة في أبريل ثم 52.8 في مايو مع تحسن ظروف العمل والعقود والطلب المحلي. استعانت شركات بموردين محليين فتحسنت مواعيد التسليم، وهو دليل على قدرة التكيف لا ينبغي التقليل منه. السوق السعودية الكبيرة والإنفاق الجاري منعا الصدمة من التحول سريعاً إلى ركود واسع كالذي أصاب اقتصادات إقليمية أكثر اعتماداً على العبور الخارجي.
لكن المكونات الداخلية بقيت أكثر حذراً من الرقم الرئيسي. ارتفعت الطلبات الجديدة ببطء، وتراجعت مبيعات التصدير للشهر الثالث تحت ضغط الشحن والوقود والمنافسة، وظل التفاؤل ضعيفاً. يمكن لشركة أن تزيد إنتاجها لتلبية طلب محلي فيما تخسر نافذتها الخارجية. هذه ليست عودة كاملة، بل اقتصاد يتنفس من رئته الداخلية عندما تضيق الرئة الإقليمية.
السوق المحلية صنعت وسادة
منحت الكثافة السكانية والقدرة الشرائية والإنفاق العام المملكة قاعدة طلب لا تتوافر بالحجم نفسه لدى جيرانها. أظهرت بيانات الربع الأول ارتفاع إجمالي الرحلات السياحية رغم تراجع الزوار القادمين من الخارج، لأن السياحة المحلية ملأت جزءاً من الفراغ. كما واصلت شركات في الرياض نقاش التوسع بينما نقلت بعض الأعمال الإقليمية نشاطها إلى السوق الأكثر اتساعاً وأمناً نسبياً.
هذه الوسادة إنجاز من إنجازات التحول، لأنها تعني وجود مستهلك ونشاط وخدمات خارج برميل النفط المباشر. لكنها قد تخفي تفاوتاً بين القطاعات والمدن والشركات. مطعم ممتلئ لا يعوض مصنعاً فقد سوق تصدير، والسائح المحلي لا ينفق دائماً ما ينفقه الزائر الدولي. المطلوب قراءة الجودة والتوزيع، لا الاكتفاء بمجموع الحركة.
غير نفطي لا يعني بلا نفط
تُصنف أعمال البناء والترفيه والتقنية والتجزئة أنشطة غير نفطية، حتى عندما جاء جزء من طلبها من مشروع حكومي أو صندوق تموله عوائد الطاقة. هذا ليس خطأ في الحساب، لكنه يفسر لماذا لا تساوي زيادة حصة القطاع استقلالاً مالياً عن النفط. إذا تراجعت صادرات الخام أو ارتفعت كلفة الحرب، تضيق الموازنة وقد يتباطأ الإنفاق الذي يغذي سلسلة طويلة من الموردين والوظائف.
سجلت الموازنة عجزاً كبيراً في الربع الأول، بينما تراجع الناتج فصلياً بفعل هبوط القطاع النفطي. وقالت الحكومة إن تسارع بعض الإنفاق استهدف تخفيف أثر النزاع وإن فروق التدفق النقدي تؤثر في القراءة. هنا يظهر الاختبار الحقيقي للرؤية، هل تستطيع الأنشطة الجديدة تمويل توسعها من إيراد العميل والصادرات ورأس المال الخاص، أم تحتاج كل صدمة إلى جرعة إضافية من الخزانة.
الرؤية تعيد ترتيب الطموح
أعلنت المملكة استراتيجية جديدة للأعوام 2026 إلى 2030 تعطي وزناً أكبر للسياحة والصناعة والذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية، مع إعادة تحجيم أو تأجيل بعض المشروعات العملاقة. يمكن قراءة ذلك كاستجابة عملية لعالم أكثر خطراً وكلفة، لا كتراجع عن التنويع. فالمشروع الذي ينتج صادرات أو معرفة أو طلباً قابلاً للاستمرار قد يخدم الرؤية أكثر من أصل ضخم يحتاج تمويلاً طويلاً قبل أن يولد دخلاً.
تحتاج إعادة الأولويات معايير منشورة حتى لا تصبح كل مراجعة نجاحاً لغوياً. يجب بيان ما أوقف ولماذا، وعائد البديل ورأس المال الخاص والوظائف التي يجتذبها. الحرب تمنح سبباً للمراجعة، لكنها تجعل الانضباط أشد أهمية لأن المال العام يواجه احتياجات أخرى إلى جانب الاستثمار.
هرمز يدخل كل فاتورة
تراجع عبور السفن في مضيق هرمز مع تجدد القتال في سبتمبر، وهو ممر كان يحمل قرابة خُمس نفط العالم قبل الحرب. حتى شركة لا تبيع النفط تتأثر عندما ترتفع أجرة السفينة والتأمين والوقود أو تتأخر قطعة غيار. ويمكن لخطوط البحر الأحمر والمخزون والمورد المحلي أن تخفف الضغط، لكنها لا تستبدل شبكة التجارة العالمية كاملة.
في المقابل قد تمنح أسعار النفط المرتفعة الخزانة إيراداً إضافياً إذا بقي التصدير ممكناً، فتبدو الصدمة مفيدة مالياً ومؤذية تشغيلياً في آن. هذه المفارقة تشرح صعوبة الفصل. النفط قد يمول حماية القطاع غير النفطي من حرب تسببت في تعطيل القطاع نفسه. التنويع الناضج هو الذي يقلل هذه الدائرة تدريجياً عبر صادرات غير نفطية وسلاسل محلية ورأس مال خاص.
لوحة الاختبار حتى نهاية العام
لن تكفي قراءة شهر واحد للحكم على رؤية ممتدة حتى 2030. ينبغي متابعة الطلبات الجديدة والتصديرية، وكلفة الشحن، والاستثمار الأجنبي، وإشغال الفنادق بحسب مصدر الزائر، والإنتاج الصناعي، ومدفوعات الحكومة للمقاولين، ونسبة المشروعات التي يمولها القطاع الخاص. إذا تحسنت هذه المؤشرات مع بقاء الدعم العام منضبطاً، تكون المرونة قد تحولت إلى استقلال أكبر.
إذا ظل النمو محلياً ومدفوعاً بالإنفاق فيما تتراجع الصادرات والاستثمار، يكون القطاع قد اجتاز الصدمة من دون حل سؤال الاعتماد. أقسى ظرف خارجي لا يقدم حكماً نهائياً، لكنه يزيل الزينة عن الأرقام ويكشف من يقف على إيراده ومن يستند إلى الدولة.
ختاماً، أثبت القطاع غير النفطي السعودي قدرة واضحة على امتصاص صدمة مارس والعودة إلى النمو بفضل السوق المحلية والموردين والإنفاق المستمر. هذا جزء حقيقي من حصيلة رؤية 2030. لكن ضعف الصادرات والتفاؤل واضطراب السياحة والشحن يبين أن التعافي غير متساو وأن رقم المؤشر العام لا يحمل القصة كلها.
الحرب تختبر الفارق بين تنويع النشاط وتنويع مصدر المال. كلما استطاعت الصناعة والسياحة والتقنية والخدمات أن تصدر وتجتذب رأس مال خاصاً وتمول توسعها من العملاء، قل اعتمادها غير المباشر على النفط. وحتى يتحقق ذلك، تظل الرؤية أكثر مرونة مما كانت عليه المملكة قبل عقد، لكنها ليست بعد خارج مدى البرميل أو الممر الذي يعبره.
اقرأ أيضاً: الاقتصاد السعودي يواصل النمو مدعوماً بالأنشطة غير النفطية

