وسط قاعةٍ اعتادت ضجيج الانقسام، بدا المشهد هذه المرّة أقرب إلى لحظة إجماعٍ نادرة. لوحة التصويت أمطرت أرقاماً خضراء تشي بأن العالم لا يزال قادراً على استدعاء السياسة حين تشتدّ العواصف. تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة «إعلان نيويورك» بأغلبية واسعة، لتعيد فتح الطريق أمام حل الدولتين باعتباره الصيغة الأكثر واقعية لتحقيق العدل والأمن معاً..
حل الدولتين يعود إلى صدارة المشهد
الإعلان لم يكن شعاراً عاطفياً بقدر ما كان إطاراً عملياً يربط بين إنهاء الحرب واستئناف مسار تفاوضي واضح المعالم. فهو يضع وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن وإجراءات بناء الثقة على سكةٍ واحدة، ويحضّ على خطوات متدرجة ومؤطّرة زمنياً تدفع حل الدولتين من خانة الخطاب إلى خانة البرنامج. بهذه الروح، انتقل النقاش الدولي من «هل» إلى «كيف» و«متى»، في محاولة لإغلاق فجوةٍ اتسعت طويلاً بين القول والفعل.
الموقف السعودي: ريادة دبلوماسية ودفعٌ للمسار
هنا، وفي هذه المسألة، برزت السعودية طرفاً مبادِراً لا متلقّياً؛ فهي شاركت في تقديم «إعلان نيويورك» مع فرنسا بعد مؤتمر أممي مشترك عُقد في يوليو، ما يضع الرياض في موقع المحرّك لتجسير الهوّة بين التعاطف الدولي ومتطلبات التنفيذ. ورحّبت وزارة الخارجية باعتماد الإعلان وأكدت أن الزخم الأخلاقي يجب أن يتحوّل إلى آليات عمل: وقف فوري لإطلاق النار، الإفراج عن جميع الرهائن، وترتيبات انتقالية تُعيد توحيد إدارة الأراضي الفلسطينية تحت مظلة السلطة الفلسطينية، مع بحث تفويض بعثة استقرارٍ مؤقتة برعاية الأمم المتحدة لمراقبة التنفيذ وحماية المدنيين.
اقرأ أيضاً: حل الدولتين يعود للواجهة
بين شرعيةٍ أخلاقية وأداة ضغط
صحيح أن قرارات الجمعية العامة غير ملزِمة قانونياً، لكن تراكمها يصنع شرعية معيارية تُثقِل كلفة التعطيل وتوفّر مظلة للعمل متعدد الأطراف. «إعلان نيويورك» يوازن بين إدانة العنف ضد المدنيين أياً كان مصدره وبين الإصرار على مسار سياسي يعالج جذور الصراع. وهو يرسل إلى العواصم رسالةً مفادها أنّ حلّ الدولتين لم يعد من مواد الخطابة الدبلوماسية، بل معيارٌ تُقاس به المواقف والسياسات.
من الورق إلى الواقع: مسارات التنفيذ الممكنة
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن. التنفيذ يتطلّب ثلاث حزم مترابطة: أمنية، وسياسية، واقتصادية. أمنياً، يحتاج وقف إطلاق النار إلى ضمانات ورقابة وممرات إنسانية دائمة. وسياسياً، لا بدّ من إعادة توحيد البيت الفلسطيني وتمكين مؤسساتٍ قادرة على التفاوض والحكم، بالتوازي مع تجميد الوقائع الأحادية التي تُقوّض حل الدولتين. أما اقتصادياً، فالمطلوب برنامج إنعاشٍ سريع يخلق حوافز للتهدئة ويعيد الثقة بإمكان العيش المشترك. هنا يمكن للدور السعودي- بدبلوماسيته الشبكية وعلاقاته المتوازنة – أن يدعم التمويل والتنسيق الإقليمي، وأن يوفّر منصاتٍ جامعة تَصون الزخم وتحوّله إلى نتائج قابلة للقياس.
ماذا يعني ذلك للجمهور العام؟
بالنسبة للقارئ العربي، فإن الرسالة الأساسية مزدوجة: النافذة لم تُغلق بعد، وحل الدولتين ما يزال الطريق الأقصر إلى أمنٍ مستدام وعدالةٍ ممكنة. نعم، الطريق مليء بالعقبات، لكن التصويت الأممي أعاد ترتيب الأولويات ووسّع هامش المبادرة أمام العرب والمجتمع الدولي معاً. وإذا كانت «السياسة فنّ الممكن» وفق «ميكافيللي»، فإن الممكن اليوم هو البناء على الإجماع المتشكل، وتحويله إلى تفاهماتٍ تُترجم على الأرض وتحدّ من نزيف الوقت والفرص نحو تحقيق حق الشعب الفلسطيني ببناء دولته المستقلة..
اقرأ أيضاً: تحديد موعد إقامة الدولة الفلسطينية.. مؤتمر حل الدولتين: السياق والأهداف والنتائج!

