الكاتب: أحمد علي
تدخل المرأة السعودية إلى الاقتصاد اليوم من موقع أوسع من الوظيفة، ولم يعد النقاش محصوراً في عدد النساء داخل سوق العمل، فقد تجاوزت المؤشرات الرسمية هدف المشاركة النسائية الذي وضعته رؤية 2030 مبكراً. السؤال صار أدق، فهل تحولت هذه المشاركة إلى قدرة فعلية على تأسيس المشروع، وإدارته، والاستمرار في السوق، أم أن جزءاً مهماً من التحول ما زال عند حدود التسجيل والنشاط الأولي؟
الأرقام الأخيرة تعطي سبباً لهذا السؤال. أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء للربع الرابع من 2025 أن معدل مشاركة السعوديات في القوى العاملة بلغ 34.5%، وأن نسبة المشتغلات إلى السكان وصلت إلى 31.0%، فيما تراجع معدل البطالة بين السعوديات إلى 10.3% مقارنة بالربع السابق. هذه ليست حركة طفيفة في سوق العمل. لكنها لا تكفي وحدها لقياس مكان المرأة في الاقتصاد. الوظيفة شيء، وامتلاك مشروع قادر على النمو شيء آخر.
المرأة السعودية والاقتصاد: من الحضور إلى القرار
تبدو النقلة واضحة عند النظر إلى السجلات التجارية والشركات الصغيرة والمتوسطة. وزارة التجارة أعلنت أن عدد السجلات التجارية الصادرة في الربع الثالث من 2025 تجاوز 128 ألف سجل، وأن السجلات المملوكة لنساء شكّلت 49% منها. كما ارتفع إجمالي السجلات التجارية في المملكة إلى أكثر من 1.7 مليون سجل، بينها 48% تعود إلى أعمال مملوكة لنساء، وفق ما نقلته صحيفة سعودي غازيت عن نشرة قطاع الأعمال للوزارة.
هذا الرقم يغير طبيعة النقاش، فالمرأة السعودية لم تعد تظهر في الاقتصاد من خلال التوظيف فقط، بل من خلال ملكية منشآت واتخاذ قرارات تشغيلية وتمويلية وتسويقية. ومع ذلك، يجب التعامل مع الرقم بحذر. السجل التجاري يثبت الدخول إلى السوق، لكنه لا يقول وحده إن المشروع مستقر أو قادر على التوسع أو توظيف آخرين. لذلك يصبح معيار الاستمرار والنمو أهم من معيار التسجيل وحده.
تقرير رؤية السعودية 2030 لعام 2025 يضع الشركات الصغيرة والمتوسطة في قلب التحول الاقتصادي، إذ يشير إلى أن عدد العاملين في هذا القطاع بلغ 8.8 مليون، وأن مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي وصلت إلى 22.9%. هذه الأرقام تجعل قيادة المرأة للشركات الصغيرة والمتوسطة مسألة مرتبطة بتنويع الاقتصاد، لا بملف اجتماعي منفصل. كل مشروع قادر على الاستمرار يضيف دخلاً، ويخلق وظيفة، ويوسع قاعدة النشاط غير النفطي.
أي قطاعات تقود التحول؟
لا يتوزع حضور النساء في ريادة الأعمال بصورة متساوية بين القطاعات. قطاع الإقامة والخدمات الغذائية يقدم مثالاً واضحاً. بيانات منشآت التي نشرتها وسائل إعلام سعودية في 2025 أظهرت أن عدد المنشآت المملوكة لنساء في هذا القطاع بلغ 59,800 منشأة في 2024، بما يمثل 49.7% من إجمالي المنشآت فيه. وفي الأنشطة الغذائية تحديداً، وصلت ملكية النساء إلى أكثر من نصف المنشآت بحسب البيانات نفسها.
هذه الدلالة مهمة، لكنها تحتاج قراءة عملية. المطاعم والمقاهي والمخابز وخدمات الضيافة تفتح باباً سريعاً نسبياً لدخول السوق، خصوصاً في المدن الكبرى ومع نمو السياحة والإنفاق الترفيهي. لكنها قطاعات مزدحمة أيضاً، وتحتاج إلى إدارة كلفة يومية وموردين وتسويق ورقابة جودة. لذلك لا يكفي أن يكون القطاع جذاباً، المهم أن تمتلك صاحبة المشروع أدوات البقاء بعد السنة الأولى والثانية.
تظهر أهمية برامج منشآت هنا. برنامج تمكين رائدات الأعمال يركز، بحسب ما تعرضه الهيئة، على رفع وعي النساء بالخدمات والفرص المتاحة، وتحديد التحديات، وتعزيز مشاركتهن الاقتصادية. كما تقدم منشآت عبر تقاريرها وبرامجها مسارات تتصل بالتمويل والتسويق وربط المنشآت بالفرص الاستثمارية. هذه الأدوات تصبح مفيدة عندما تنتقل من التدريب العام إلى معالجة المشكلات اليومية التي تواجه المشروع الصغير، مثل الوصول إلى التمويل، وإدارة التدفقات النقدية، والتسعير، والتوسع خارج المدينة الأولى.
هناك جانب آخر لا ينبغي إغفاله، دخول النساء إلى قيادة الشركات الصغيرة والمتوسطة لا يعني أن الطريق أصبح مفتوحاً بالكامل. ما زالت الفجوة بين إنشاء النشاط وتوسيعه قائمة. بعض المشاريع يبقى عائلياً أو محدود الدخل، وبعضها يتوقف بسبب الكلفة أو ضعف الخبرة أو صعوبة المنافسة. وفي قطاعات التقنية والصناعة والخدمات المهنية، يحتاج الانتقال إلى مستوى أعلى من المهارات والتمويل والشراكات. هذه هي المنطقة التي ستحدد إن كان التحول واسعاً في الشكل فقط، أم عميقاً في البنية.
الاختبار في الاستدامة
قوة التحول لا تُقاس بعدد السجلات الجديدة فقط. الأهم هو عمر المشروع، وحجم العمالة التي يخلقها، وقدرته على التعامل مع السوق بعد انتهاء الدعم أو التدريب. إذا بقيت المشاريع النسائية مركزة في قطاعات محدودة وسريعة التشبع، سيبقى أثرها الاقتصادي أقل من طاقتها الممكنة. أما إذا توسعت إلى سلاسل الإمداد، والخدمات المتخصصة، والتقنية، والصناعة الخفيفة، فسيصبح حضورها جزءاً من إعادة تشكيل القطاع الخاص.
هذا لا يعني التقليل من الإنجاز الحالي. ارتفاع مشاركة السعوديات في القوى العاملة من مستويات أدنى بكثير قبل سنوات إلى 34.5% في نهاية 2025، مع تراجع البطالة إلى 10.3%، يشير إلى تغير حقيقي في سوق العمل. لكن المرحلة الجديدة تحتاج إلى قياس آخر. كم مشروعاً نسائياً يتحول من سجل إلى منشأة نشطة؟ كم منشأة تستطيع التوسع؟ كم وظيفة تخلق؟ وكم مشروعاً يصل إلى التمويل من دون كلفة تعطل نموه؟
المرأة السعودية والاقتصاد لم يعودا عنوانين منفصلين في رؤية 2030. دخول النساء إلى سوق العمل زاد حجم القوة العاملة، ودخولهن إلى ملكية الشركات الصغيرة والمتوسطة يفتح سؤال الإنتاج والقيادة والمخاطرة. هذا التحول يمنح الاقتصاد السعودي قاعدة أوسع، لكنه يضع المؤسسات الداعمة أمام مسؤولية أوضح. المطلوب ليس تشجيع التسجيل فقط، بل مساعدة المشاريع القابلة للحياة على العبور إلى الاستقرار.
الخلاصة أن قيادة المرأة السعودية للشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل مرحلة أكثر تقدماً من مجرد المشاركة في سوق العمل. المؤشرات الحالية إيجابية، خصوصاً في السجلات التجارية وقطاعات الخدمات والغذاء، لكنها تحتاج إلى متابعة دقيقة. القيمة الحقيقية ستظهر عندما تصبح المشاريع النسائية أكثر قدرة على النمو، وأكثر تنوعاً في القطاعات، وأكثر حضوراً في سلاسل القيمة. عند ذلك، لن يكون تمكين المرأة رقماً في سوق العمل فقط، بل جزءاً من بنية الاقتصاد الجديد.
اقرأ أيضاً: سندالة تحت إدارة البحر الأحمر: هل بدأت السعودية تصحيح مسار مشاريع رؤية 2030؟

