تحول المسرح السعودي لنافذة تُحكى عبرها قصص الحب والخذلان التي تعيشهما المرأة وتحاول كتمها في داخلها. فالأحلام التي تساقطت واحدة تلو الأخرى التقطتها مسرحية “مزاد عاطفي” ودارت بها العديد من المحافظات السعودية، لتحكي قصة امرأة واجهت الخيبات تارة بمرارة وتارة أخرى بسخرية، لتعيد أمامنا ترتيب ذكرياتها من خلال أداء فردي يعتمد على المونودراما.
ويبدو أن رحلة هذا العمل لم تتوقف عند حدود السعودية، فقد دخل المهرجانات العربية بكل قوة ليؤكد أن المسرح السعودي أصبح يجد لنفسه مساحة أوسع في المشهد الثقافي العربي.
من شرم الشيخ إلى القاهرة وجرش.. رحلة عرض سعودي
شارك “مزاد عاطفي” خلال شهر يوليو في مهرجانين عربيين بارزين، بعدما حققت حضوراً لافتاً في مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي.
وقد حضرت المسرحية في الدورة التاسعة من مهرجان أيام القاهرة الدولي للمونودراما، الذي أقيم في مصر خلال الفترة من 13 إلى 17 يوليو، قبل أن تنتقل إلى الأردن للمشاركة في الدورة الرابعة من مهرجان المونودراما العربي، ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون، خلال الفترة من 26 يوليو إلى 1 أغسطس.
وتأتي هذه المشاركات بعد النجاح الذي حققه العرض في الدورة العاشرة من مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي عام 2025، حيث تمكنت بطلة المسرحية الفنانة أفنان الخضر من الفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، إلى جانب جائزة المواهب التمثيلية المميزة.
قد يعتقد البعض أن النجاح كان مفاجئاً، إلا أن قصة النجاح كُتبت قبل وصول العمل إلى الخشبة. فقد حصل نص “مزاد عاطفي”، الذي كتبته عهود القرشي، على المركز الثاني في مسابقة التأليف المسرحي التي نظمتها هيئة المسرح والفنون الأدائية عام 2024.
ومن هنا بدأ النص يأخذ طريقه إلى الجمهور، في عرض ينتمي إلى فن المونودراما، حيث تقف ممثلة واحدة في مواجهة الجمهور، وتعتمد على صوتها وحركتها وتعبيرها الجسدي واللغة البصرية لتقديم الحكاية كاملة.
وتدور أحداث المسرحية حول امرأة تعرضت للغدر والخذلان في مراحل مختلفة من حياتها، وتركت هذه التجارب داخلها جروحاً عميقة. لكنها لا تقدم نفسها أمام الجمهور بصورة المرأة المنكسرة فقط، بل تحاول أن تواجه ما حدث لها بشيء من السخرية والمرح، الأمر الذي يجعل المشاهد قريباً منها ومتضامناً مع قصتها.
“أحلام”.. امرأة تبيع وجعها في “مزاد عاطفي”
وفي تفاصيل العمل، تدخل شخصية “أحلام” إلى المسرح منذ اللحظة الأولى وكأنها تستعد لافتتاح مزاد، لكن ما تضعه أمام الجمهور ليس أشياء عادية يمكن بيعها أو شراؤها، بل ذكريات ومشاعر وتجارب تركت آثارها في حياتها.
تبدأ “أحلام” في الحديث عن الحب والعِشرة، وعن الرجال الذين مروا في حياتها وترك كل واحد منهم جرحاً مختلفاً. تتذكر زوجها الأول الذي تخلى عنها بعد عشر سنوات من الزواج، وهي السنوات التي لم تنجب خلالها. ثم تتحدث عن زواجها الثاني، الذي بدا في البداية وكأنه فرصة للعثور على الحب والأمان من جديد.
كان يجمعها بزوجها الثاني حب القراءة واقتناء الكتب، وكانت تظن أنها وجدت أخيراً الشخص الذي يفهمها ويشاركها شغفها. لكن هذه العلاقة انتهت بصدمة جديدة، بعدما استولى الزوج على روايتها الأولى ونسبها إلى نفسه.
ولا تتوقف حكاية “أحلام” عند خيبات الحب والزواج، فهي تعود أيضاً إلى علاقتها بأبيها وإخوتها الرجال، وتتذكر مواقف شعرت خلالها بأنهم وقفوا في وجه رغباتها وأحلامها. ومع مرور الأحداث، نفهم أن ما تعانيه لم يكن نتيجة موقف واحد، بل هو ميراث طويل من الألم والخوف والخذلان.
وهنا تكمن واحدة من نقاط قوة العرض، فالمسرحية لا تجعل “أحلام” أسيرة للحزن، بل تمنحها القدرة على السخرية من بعض تفاصيل حياتها، وكأنها تحاول أن تستعيد السيطرة على قصتها بعد أن عاشت طويلاً تحت تأثيرها.
وتقدم الفنانة أفنان الخضر هذه التحولات من خلال أداء فردي لافت، وهو أمر ليس سهلاً على الإطلاق. ففي المونودراما لا يوجد ممثل آخر يمكن أن يشاركها الحوار أو يخفف عنها مسؤولية حمل المشهد. كل شيء يعتمد عليها، من البداية حتى النهاية.
ولهذا كان عليها أن تحافظ على مستوى العرض، وأن تنتقل بين مشاعر الألم والغضب والسخرية والمرح، وأن تجعل الجمهور يعيش مع “أحلام” تفاصيل قصتها ويصدقها.
وترى الخضر أن هذه التجربة كانت اختباراً حقيقياً لها، لأن المونودراما تضع الممثل في مواجهة مباشرة مع الجمهور، وتجعله مسؤولاً عن جذبه والمحافظة على انتباهه طوال العرض. وتؤكد أن التحدي الأكبر كان في أن يتوحد المشاهد مع أزمة “أحلام”، وأن يشعر بأن ما تقوله ليس مجرد قصة على المسرح، بل تجربة إنسانية يمكن أن تلامس حياته أو حياة شخص يعرفه.
كما ترى أن النص يقترب من تجارب نسائية كثيرة، خصوصاً أنه كتبته امرأة عن امرأة، ويتناول أشكالاً مختلفة من الخذلان قد تأتي أحياناً من أقرب الناس، سواء كانوا من أفراد العائلة أو من الأشخاص الذين نمنحهم ثقتنا وحبنا.
وراء المسرحية.. حلم أم موهبة تراهن على المسرح
تحمل تجربة أفنان الخضر مع “مزاد عاطفي” جانباً شخصياً مؤثراً، فوالدتها كانت من أكثر الأشخاص الذين شجعوها على التمثيل، بعدما لمست شغفها بهذا المجال منذ طفولتها.
كانت الأم متحمسة للمسرحية، وتوقعت أن تحقق ابنتها جوائز عن دورها، لكنها توفيت قبل أن ترى العرض على خشبة المسرح. وبعد فوز أفنان بجائزتيها في مهرجان شرم الشيخ، ترى الفنانة أن حلم والدتها تحقق، حتى وإن لم تكن موجودة لتشاهده بنفسها.
وتجمع أفنان بين العمل الإعلامي والتمثيل، وتعد “مزاد عاطفي” تجربتها المسرحية الثانية، بعدما قدمت قبل عامين مسرحية “زهرة الخريف”، التي عُرضت في جورجيا والمغرب.
وتقول إن حبها للمسرح يزداد مع كل تجربة، مشيرة إلى الدور الذي لعبه المخرج تركي باعيسى في تطوير أدواتها، خصوصاً من خلال تدريبها على الصوت والأداء، وهو ما ساعدها على التعامل مع تحديات المونودراما.
أما المخرج تركي باعيسى، فقد وجد في نص “مزاد عاطفي” مساحة مغرية للعمل والتجريب. وكان عنوان المسرحية أول ما لفت انتباهه، ثم اكتشف عند قراءة النص أنه أمام لغة مختلفة لكاتبة تمتلك أسلوباً سلساً ومميزاً.
ومع أن النص كان طويلاً نسبياً، فقد عمل باعيسى على إعداده ليتناسب مع العرض المسرحي، مع الحفاظ على روحه الأساسية، معبراً عن سعادته بالتفاعل الذي وجده العمل من الجمهور.
ويملك باعيسى تجربة واسعة في المسرح، إذ أخرج نحو 20 عرضاً مسرحياً، كما أسس فرقة “جوقة المسرح” في الرياض عام 2021. وخلال السنوات الماضية، قدمت الفرقة 23 عرضاً مسرحياً في 120 ليلة عرض، وشارك في أعمالها أكثر من 80 فناناً في مختلف مجالات المسرح ومن أعمار وتجارب متنوعة.
ويرى باعيسى أن هناك جمهوراً متعطشاً للمسرح، لكنه يبحث في الوقت نفسه عن العمل الجيد الذي يحترم ذوقه ويمنحه تجربة ممتعة. لذلك تحرص الفرقة على تقديم عروضها داخل السعودية، إلى جانب المشاركة في المهرجانات الدولية وفتح المجال أمام التجارب المسرحية السعودية للوصول إلى جمهور أوسع.
وقد لفتت أعمال الفرقة أيضاً اهتماماً نقدياً خارج المملكة، ومن بينها مسرحية “سجناء أحرار”، التي شاهدها الناقد الأميركي ريتشارد شكنر في مهرجان شرم الشيخ للمسرح الشبابي، وكتب عنها مقالاً مهماً عام 2022.
“جوقة المسرح” والمشهد السعودي.. حكاية تتجاوز الخشبة
إذا نظرنا إلى رحلة “مزاد عاطفي” من بعيد، سنجد أنها جزء من حركة أكبر يعيشها المسرح السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالمشهد لم يعد يقتصر على العروض المحلية، بل أصبح أكثر انفتاحاً على المهرجانات العربية والدولية، مع تنوع واضح في التجارب والأفكار وازدياد حضور الفرق السعودية خارج المملكة.
وتأتي تجربة “جوقة المسرح” في هذا السياق، باعتبارها فرقة تسعى إلى تقديم أعمال مختلفة، وتمنح الفنانين فرصة المشاركة في تجارب مسرحية متنوعة، كما تحاول أن تجعل من المهرجانات الخارجية مساحة للتعريف بالمسرح السعودي ومواهبه.
باختصار، في تجربة مسرحية “مزاد عاطفي” نجد أنفسنا أمام نوع من أنواع الأداء الصعب، والذي يحتاج إلى نص مؤثر وتمثيل بارع حتى يصل للجمهور. وطالما استطاع حجز مكان له في المهرجانات العربية، بمعنى ذلك أنه استطاع الاستحواذ على الانتباه، وذلك دليل على تقدم وتطور المسرح السعودي.
اقرأ أيضاً: برنامج من الفكرة إلى الخشبة.. تعزيز المواهب المسرحية في السعودية

