يمتد الأنبوب تحت صحراء واسعة كي يمنح النفط السعودي طريقاً لا يمر بمضيق هرمز وبدا لسنوات كأنه إجابة جغرافية عن سؤال أمني، خط يبدأ في الشرق وينتهي عند ينبع على البحر الأحمر. ثم جاءت المسيّرات من السماء، فدخل الطريق البديل الحرب من نقطة لم تكن مضيقاً ولا ميناء.
أوقفت السعودية خط الشرق–الغرب احترازياً بعد استهدافات صباح 10 سبتمبر في منطقتي الرياض والمدينة المنورة. وقالت الرياض وبغداد إن المسيّرات جاءت من العراق، بينما لم تتضح الجهة المنفذة حتى إعداد التقرير. وقعت إصابات، وظل حجم الضرر وأثره على الصادرات قيد التقييم. لكن المؤكد أن شرياناً حمل أخيراً بين أربعة وخمسة ملايين برميل يومياً توقف مؤقتاً في لحظة صار فيها هرمز شبه معطل.
طريق بُني للهروب من المضيق
يقطع الخط نحو 1200 كيلومتر من حقول الشرق إلى ينبع، وتزيد طاقته الفنية على سبعة ملايين برميل يومياً وفق تقديرات منشورة. أما التدفقات الأخيرة فكانت أقل، لكنها مثلت أربعة إلى خمسة في المئة من الإمداد العالمي. وهذه الكمية جعلته صماماً مركزياً بعد تباطؤ ناقلات هرمز إلى حد شديد بفعل الحرب الأميركية الإيرانية.
فكرة الالتفاف صحيحة لوجستياً. ويستطيع الخام الوصول إلى البحر الأحمر من دون عبور المضيق. غير أن البديل الذي تتركز فيه ملايين البراميل يصبح هدفاً ذا قيمة أعلى، ويمتد على أرض طويلة يصعب حراسة كل كيلومتر منها بالطريقة نفسها.
الخطر انتقل إلى اليابسة
الهجوم لا يثبت أن الخط فقد وظيفته، والإغلاق المعلن احترازي لا دائم. لكنه يغير تعريف أمن الطاقة. لم يعد السؤال كم مضيقاً يمكن تجنبه، بل كم نقطة إصابة تستطيع الشبكة تحملها، وكم يستغرق عزل الجزء المتضرر وإصلاحه وإعادة الضخ من دون حادث أكبر.
تستطيع المسيّرة الرخيصة أن تفرض على منشأة باهظة الكلفة فحصاً وإيقافاً ولو كان الضرر محدوداً. لذلك تحتاج الحماية إلى إنذار جوي قصير المدى، ودوريات واستشعار على طول المسار، وصمامات عزل ومخزون قطع وفرق إصلاح موزعة. الدفاع هنا منظومة تشغيل، لا بطارية صواريخ وحدها.
ممران تحت الضغط
ينتهي الأنبوب عند ينبع، شمال باب المندب. تستطيع الشحنة المتجهة إلى أوروبا أن تمضي شمالاً نحو قناة السويس من دون عبور الباب، بينما تحتاجه غالباً إذا اتجهت جنوباً إلى آسيا. ومع تقدم الحوثيين قرب مدخل البحر الأحمر وتهديد السفن السعودية، لم يعد المخرج الغربي فضاءً منفصلاً تماماً عن الحرب.
تصف وكالة الطاقة الدولية سوقاً فقد في أغسطس قرابة نصف صادرات الخليج مقارنة بما قبل الحرب، مع هبوط المخزونات العالمية المرصودة 507 ملايين برميل منذ فبراير وارتفاع الأسعار بقوة. لا يمكن تحميل ضربة الأنبوب وحدها هذه النتائج، لكنها تضيف عقدة جديدة إلى شبكة مضغوطة أصلاً.
نسبة الهجوم لم تُحسم
أقرت بغداد بأن الهجوم انطلق من أراضيها، وأقالت قائداً عسكرياً في ميسان وبدأت عملية بحث، كما اختارت الرياض عدم الرد في هذه المرحلة دعماً للتحقيق العراقي مع احتفاظها بحق حماية مصالحها. مع ذلك، لم تعلن جهة مستقلة دليلاً يحسم اسم الفصيل أو سلسلة الأمر.
هذا الفاصل مهم. نقطة الإطلاق مسؤولية سيادية على العراق معالجتها، أما اتهام جهة محددة فيحتاج إلى أدلة منشورة. التسرع قد يحول اعتداء على منشأة إلى مواجهة بين دولتين، فيما يمنح التعاون الأمني والتحقيق المشترك فرصة لإغلاق مسار الإطلاق قبل أن يتكرر.
البديل يحتاج إلى بدائل
تتحسن المرونة حين لا تعتمد الصادرات على خط واحد أو ميناء واحد أو مسار بحري واحد. يمكن توزيع المخزون بين الشرق والغرب، وزيادة قدرة إعادة توجيه الضخ، وحماية محطات الضخ والطاقة والاتصالات، وإجراء تمارين إصلاح معلنة التوقيت والنتائج. كما يلزم تنسيق بحري يحمي المخرج من ينبع بحسب وجهة الناقلة.
ويبقى الإفصاح جزءاً من الحماية الاقتصادية. السوق تحتاج إلى معرفة مدة التوقف والطاقة البديلة والأثر على التحميل، من دون نشر تفاصيل أمنية حساسة. غياب المعلومة يملأه أسوأ احتمال، ويرفع علاوة الخطر حتى لو كان الإصلاح قريباً.
في الختام، أثبت خط الشرق–الغرب أهميته حين ضاق هرمز، ولهذا صار استهدافه بالغ الدلالة. لم تُلغِ الضربة جدوى الطريق، لكنها أسقطت الوهم بأن الابتعاد عن المضيق يعني الابتعاد عن الحرب. الخطر عبر معه إلى الصحراء، ثم لاحقه عند البحر الأحمر.
بُني الأنبوب ليغير الجغرافيا التي يسلكها النفط. أما المرحلة المقبلة فتحتاج إلى تغيير طريقة حمايته أيضاً. فالطريق البديل يبقى بديلاً ما دام قادراً على العمل بعد الضربة، لا قبلها فقط.
اقرأ أيضاً: أرامكو واختبار مضيق هرمز: كيف دعمت خطوط الشرق–الغرب أرباح النفط السعودي؟

