موقع جغرافي مهم، اقتصاد قوي، رؤية طموحة، كل هذه الأمور تجعل من المملكة العربية السعودية نقطة جذب طبيعية للتجارة والاستثمار، فقد باتت في السنوات الأخيرة من أكثر المناطق جذباً للشركات العالمية التي ترغب بتوسيع نشاطها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ولكن هل هذه هي الأسباب وحدها التي جذبت الشركات؟ أم أن رؤية السعودية 2030 كان لها خطة أخرى لجذب الاستثمار؟ هذا ما سنتحدث عنه في هذا المقال وبالتحديد عن برنامج المقر الإقليمي (RHQ) الذي تم إطلاقه بالتعاون وزارة الاستثمار والهيئة الملكية لمدينة الرياض، ليكون أداة لدعم الاقتصاد وتنويعه بعيداً عن الاعتماد على النفط، وزيادة فرص العمل، وتحقيق كفاءة أكبر في الإنفاق الحكومي.
المقر الإقليمي في السعودية
منذ عام 2021، وضعت المملكة شرطاً واضحاً يمنع أي شركة أجنبية -بدءاً من أول عام 2024- من الحصول على عقود حكومية ما لم يكن لها مقر إقليمي داخل السعودية! ويأتي ذلك لجذب الشركات متعددة الجنسيات بهدف الاستفادة من الفرص الاستثمارية والاقتصادية.
ولكن بالطبع يوجد مرونة في هذا القرار فالتزمّت لا يفيد بقدر ما يضرّ، وهناك بعض الاستثناءات للشركات مثلاً في العقود الصغيرة التي لا تتجاوز مليون ريال، أو في الحالات العاجلة، أو عندما تكون الشركة الأجنبية الوحيدة القادرة على تلبية الشروط الفنية.
كذلك يوجد إعفاءات إذا قدمت شركة عرضاً أفضل من حيث الجودة وكان أقل بـ25% على الأقل من أقرب عرض منافس، في هذه الحالة يمكن قبول عرضها حتى بدون مقر إقليمي.
اقرأ أيضاً: بتحالف من شركات الطيران.. ناقل جوي اقتصادي جديد في المملكة
شروط تأسيس مقر إقليمي في المملكة وحيثياتها
بالنسبة للشروط فيوجد عدة شروط رئيسية، أولها أن تكون الشركة عالمية ولها فروع في بلدين على الأقل غير بلد التأسيس والمملكة، وأن تكون لها بيانات مالية موحدة تؤكد استقرارها، كما يجب عليها تشغيل مقرها خلال ستة أشهر من الحصول على الترخيص، وممارسة ثلاث أنشطة مرخصة على الأقل في السنة الأولى، وأن توظف فعلياً ما لا يقل عن 15 موظفاً، منهم ثلاثة في مناصب تنفيذية، وأحدهم مقيم في السعودية.
هذه الشروط واضحة وصريحة، يجب أن يكون هناك مقر حقيقي، رغم ذلك غالباً ما تثار تساؤلات عن مدى التزام جميع الشركات بهذا القرار وأنها بالفعل تقيم مكاتب حقيقية وليست وهمية -بمعنى وجود عنوان ومكتب وعدد محدود من الموظفين الإداريين- دون نقل حقيقي للوظائف بغية الحصول على العقود الحكومية أو الاستفادة من الحوافز الضريبية.
ورغم المخاوف، إلا أنه حتى الآن لا توجد تقارير رسمية تثبت وجود مقرات وهمية، ربما فقط في بعض تعليقات المستخدمين في المنتديات أو مواقع التواصل الاجتماعي والتي يتكهنون فيها عن وجود بعض الشركات الوهمية التي تغريها طبيعة الحوافز المغرية وشروط الامتثال المرنة نسبياً فتقوم بتطبيق الحد الأدنى المطلوب من الشروط دون الالتزام بالتحول الكامل.
وهنا يوجد تحدٍّ أمام قدرة الجهات التنظيمية -مثل وزارة الاستثمار وهيئة الزكاة والضرائب والجمارك- على الرقابة الاستباقية والتأكد من أن المقرات تحقق فعلاً وظائف حقيقية وأنشطة تشغيلية فعلية ونقل فعلي للوظائف الإدارية والمالية والإقليمية.
وكانت هذه هي شروط التأسيس، أما بالنسبة لحيثيات القرار فهي عديدة أيضاً; أهمها تعزيز استفادة الاقتصاد السعودي من الإنفاق الحكومي، فعلى مدى سنوات، كانت الحكومة تعطي عقوداً لشركات سعودية والتي بدورها تسند أعمالها إلى طرف ثالث محلي أو أجنبي بشكل مباشر أو غير مباشر، هذا يعني أن الأموال كانت تخرج من البلاد بسرعة دون أن تفيد الاقتصاد الداخلي بشكل كافٍ.
إضافة إلى ذلك فإن وجود الشركات الأجنبية يساعد في نقل الخبرات وخلق وظائف جديدة وبالتالي زيادة الإنفاق داخل السوق المحلي بدلاً من الخارج… وبالطبع يوجد فوائد مهمة للشركات نفسها -بعيداً عن الحوافز والمزايا- فالسوق السعودي واعد ويملك بنية تحتية متطورة ومدن صناعية تحتاج إلى استغلال فتواجدهم يفتح لهم فرص شراكات واستثمارات أوسع.
اقرأ أيضاً: أبرز الشركات السعودية للاستثمار في 2025
كيف كان الإقبال من الشركات على السعودية؟
كان إقبال الشركات على السعودية رائعاً وتجاوز الهدف الذي وضعته رؤية 2030، ففي نهاية 2024، وصل عدد الشركات التي أسست مقاراً إقليمية في السعودية إلى 571 شركة من 39 جنسية، وتوزعت على 15 قطاعاً مختلفاً، متجاوزة المستهدف الذي كان 500 شركة – وبنسبة تجاوز بلغت 14.2% قبل ست سنوات من الموعد المحدد.
العاصمة الرياض استحوذت على نحو 90% من المقرات، نظراً لقربها من صناع القرار والجهات الحكومية، واستحوذت المنطقة الغربية -جدة وينبع- على 5% من المقرات الإقليمية للشركات العالمية العاملة في المملكة، اي بنحو 30 شركة عالمية، ويأتي ذلك في ضوء ما تشهده المنطقة الغربية من مشاريع كبرى مثل مشروع البحر الأحمر ومشروع تطوير وسط جدة وآمالا وغيرها من مشاريع تطويرية تتوزع على مختلف أرجاء المنطقة.
استحوذت المنطقة الشرقية بدورها -الدمام والخبر والظهران والجبيل- على 5% من المقرات الإقليمية للشركات العالمية، حيث تمثل المنطقة الشرقية أحد أكبر الأذرع التنموية في السعودية في ضوء ما تتمتع به من تركز للمشاريع البترولية والبتروكيماويات والمعدنية، وما تمثله من أهمية كبيرة للاقتصاد العالمي.
من بين الشركات التي أعلنت أنها نقلت مقرها في الشرق الأوسط إلى السعودية: “إيرباص”، و”أوراكل”، و”فايزر”، و”بوينغ”، و”سامسونغ”، و”أمازون“، و”غولدمان ساكس”.
الشركات التي أتت إلى المملكة عكست تنوعاً دولياً ناتجاً عن السياسة الخارجية المتوازنة للمملكة أي أنها لم تكن بالطبع من جنسية واحدة، وتركزت معظم هذه الشركات في قطاع الخدمات المهنية بنسبة 30%، وتلاه قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات بنسبة 19%، ثم قطاع الصحة بنسبة 17%.
اقرأ أيضاً: اتفاقية سعودية سورية.. واستثمارات مرتقبة في قطاعات استراتيجية!
ما الذي يدفع الشركات لفتح مقرات إقليمية في المملكة؟
تقدم المملكة للشركات تسهيلات مهمة عند فتح مقرا إقليمية، تجد فيها فرصاً حقيقية للتطور والنمو، فمن خلال موقعها الجغرافي، تمنح السعودية بوابة وصول إلى الأسواق الناشئة في الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا.
إضافة إلى جهودها لتوسيع الاقتصاد عبر قطاعات مثل التكنولوجيا والسياحة والطاقة المتجددة، والتي خلقت فرصاً متنوعة، وهناك أيضاً نظام تنظيمي مرن، يوفر بيئة أعمال مستقرة يمكن التنبؤ بها، ما يساعد الشركات على التخطيط بثقة.
أما بالنسبة للحوافز التي تحصل عليها الشركات فهي عبارة عن إعفاءات ضريبية، وتسهيلات لاستقطاب الكفاءات العالمية، وخدمات عبر برنامج ميزا من وزارة الاستثمار، الذي يساعد في جذب المدراء التنفيذيين والخبرات للعمل داخل المملكة.
برنامج ميزا، هو برنامج للاستثمار في السعودية يُعنى بإثراء تجربة المستثمرين في السعودية من خلال تقديم خدمات ذات قيمة مضافة عبر منصة إلكترونية محوكمة تسهل للمستثمرين الوصول إلى مقدمي خدمات الأعمال بالقطاع الخاص لتعزيز مكانة السعودية بوصفها وجهة استثمارية رائدة.
توقعات مستقبلية
بعد فوز السعودية باستضافة “إكسبو 2030” ودورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 وكأس العالم 2034، من المتوقع أن تزداد فرص جذب الشركات العالمية لفتح مقارها الإقليمية في المملكة.
إذ أن هذه الأحداث العالمية الكبرى تفتح أبواب استثمارية ضخمة وتوفر آلاف فرص العمل لأبناء وبنات السعودية في مجالات متنوعة مثل السياحة، الترفيه، الخدمات، والتقنية.
فبرنامج المقر الإقليمي الذي منح الشركات حوافز كثيرة، وجعلها تثق أكثر في الاقتصاد السعودي القوي، جعل عدد الشركات يتجاوز كل التوقعات، وساهم في نقل التكنولوجيا وتوطينها، ودعم المشاريع الوطنية، وتحويل هذه الشركات إلى كيانات سعودية حقيقية… هذه الشركات ستكون جزءاً مهماً في بناء مستقبل المملكة، إذ تساعد في تطوير الصناعات، وتدريب الكوادر الوطنية، ودعم النمو الاقتصادي المستدام.
اقرأ أيضاً: «شركة الرياض للتعمير» مسيرة مُلهمة في عالم الاستثمار

