لا يظهر التحول العلمي أولاً في المباني اللامعة ولا في المختبرات الكبرى. يظهر في الطالب الذي يتعامل مع المسألة الصعبة كأنها طريق لا كأنها جدار. يسأل، يخطئ، يعود إلى القانون، ثم يبحث عن معنى الرقم داخل التجربة. هنا يبدأ التعليم عندما يتجاوز الحفظ.
مشاركة المنتخب السعودي للفيزياء في أولمبياد الفيزياء الأوروبي 2026 بالسويد يمكن قراءتها من هذا الباب. ليست خبراً مدرسياً خفيفاً، ولا مناسبة للاحتفاء السريع فقط. هي جزء من مسار أوسع تريد السعودية من خلاله أن تجعل العلم عنصراً في مشروعها التنموي، لا مادة للامتحان فحسب. فالرؤية التي تتحدث عن الصناعة المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة والتقنيات الحديثة تحتاج قبل كل شيء إلى عقول قادرة على الفهم والتجريب والمنافسة.
المنتخب السعودي للفيزياء: من الطالب إلى المنظومة
يشارك المنتخب السعودي للفيزياء في النسخة العاشرة من أولمبياد الفيزياء الأوروبي EuPhO 2026، الذي تستضيفه مدينة غوتنبرغ في السويد بين 12 و16 يونيو 2026، بمشاركة نحو 200 طالب وطالبة من 40 دولة. ويمثل المملكة خمسة طلاب من المرحلة الثانوية، هم رضا سالم الخميس من تعليم الأحساء، وحسين حبيب الصالح وناصر هشام الشائع من تعليم الرياض، ومحمد عبدالرحمن العرفج ومحمد محمود الرمل من تعليم المنطقة الشرقية.
هذه الأسماء ليست مجرد قائمة وفد. هي نتيجة عمل طويل تقوده مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع “موهبة” بالشراكة مع وزارة التعليم، ضمن برنامج موهبة للأولمبيادات الدولية. ووفق ما نشرته موهبة ووكالة الأنباء السعودية، خضع الطلبة لتأهيل امتد على مدار العام، شمل تدريباً نظرياً وعملياً، ومعسكرات داخلية وخارجية، بهدف رفع الجاهزية للمنافسة الدولية.
طبيعة المسابقة نفسها تكشف ما هو أبعد من المشاركة. الأولمبياد يقوم على اختبارين، نظري وعملي، ويتضمن مسائل قصيرة تتطلب حلولاً غير نمطية. كما يناقش الطلبة حلولهم مباشرة مع اللجنة العلمية، بدلاً من أن يفعل ذلك قادة الفرق نيابة عنهم. في هذه اللحظة لا تكفي معرفة القانون الفيزيائي. على الطالب أن يعرف كيف يستخدمه، وكيف يشرح منطقه، وكيف يدافع عن طريقته في التفكير.
هذا هو جوهر التعليم العلمي. الفيزياء هنا لا تُعامل كحقيبة قوانين، بل كتدريب على العقل المنظم. قراءة المسألة، بناء الفرضية، اختبارها، مراجعة الخطأ، ثم الوصول إلى حل يمكن الدفاع عنه. لذلك لا تكون الميدالية هي المعنى الوحيد. مجرد إعداد فريق قادر على دخول هذا المستوى يعني أن هناك طبقة أكثر جدية في التعليم يجري بناؤها، حتى لو بقي أثرها أوسع من لوحة الجوائز.
رؤية 2030 والتعليم الذي ينتج قدرة
ترتبط هذه المشاركة ببرنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج تحقيق رؤية 2030. البرنامج يضع هدفاً واسعاً، هو رفع جاهزية المواطن للمنافسة محلياً وعالمياً، وتطوير المهارات الأساسية ومهارات المستقبل، والاستثمار في المواهب عبر مراحل الحياة المختلفة. قد تبدو العبارة كبيرة، لكنها تصبح أوضح عندما ننظر إلى الأولمبيادات العلمية باعتبارها مختبراً مبكراً لهذه الجاهزية.
الاقتصاد الذي تريد السعودية بناءه لا يحتاج فقط إلى موظفين يعرفون الإجراءات. يحتاج إلى مهندسين يفكرون في الحلول، وباحثين يفهمون التجربة، ومبرمجين يمتلكون أساساً رياضياً، وأطباء يقرأون البيانات، وتقنيين قادرين على العمل داخل أنظمة معقدة. بهذا المعنى يصبح التعليم العلمي بنية تحتية غير مرئية. مثل الطريق والميناء، لكنه مزروع في العقول.
السعودية لا تبدأ من نقطة فارغة في هذا المجال. المملكة تشارك للمرة الثامنة في أولمبياد الفيزياء الأوروبي، ويمتلك المنتخب السعودي في رصيده بهذه المسابقة 24 جائزة، تشمل ميدالية ذهبية واحدة، و3 ميداليات فضية، و12 ميدالية برونزية، و8 شهادات تقدير. كما شارك المنتخب السعودي للفيزياء في مايو 2026 في أولمبياد الفيزياء الآسيوي في بوسان بكوريا الجنوبية، بفريق من ثمانية طلاب. وفي 2024، أعلنت وزارة التعليم تحقيق طلاب المنتخب السعودي 3 جوائز عالمية وشهادة تقدير في أولمبياد الفيزياء الأوروبي.
تراكم هذه المشاركات يحوّل الحدث من خبر إلى مسار. الطالب لا يصل إلى غوتنبرغ فجأة. قبله هناك اكتشاف، وفرز، وتدريب، ومعسكرات، ومدربون، وشراكة بين مؤسسة متخصصة ووزارة التعليم. وبرامج مثل أولمبياد العلوم والرياضيات الوطني “نسمو” تكمل هذه الدائرة، لأنها تبحث عن الطلبة في مراحل مبكرة في الرياضيات والعلوم والكيمياء والفيزياء والأحياء والمعلوماتية، ثم تدفعهم إلى مسارات أكثر صعوبة.
ما بعد الميدالية
مع ذلك، لا يكفي أن نتوقف عند لحظة المشاركة أو الفوز. الأولمبيادات مهمة، لكنها لا تصنع وحدها نهضة علمية. يمكن أن يظهر فريق ممتاز في مسابقة دولية، بينما تبقى المدرسة العادية في حاجة إلى معلم علوم أقوى، ومختبر أفضل، ومناهج أكثر ارتباطاً بالتجربة. لذلك يكون السؤال الحقيقي أوسع من خمسة طلاب. كيف تتحول التجربة إلى أثر داخل النظام؟
الامتحان الأكبر هو العدالة في الوصول إلى الفرصة. هل يستطيع طالب في محافظة بعيدة أن يجد المسار نفسه؟ هل تملك المدرسة القدرة على اكتشافه قبل أن تضيع موهبته؟ هل يملك المعلم الوقت والأدوات لملاحظة الطالب المختلف؟ ثم ماذا يحدث بعد التكريم؟ هل يجد الطالب طريقاً واضحاً إلى الجامعة والبحث والصناعة، أم يعود إلى مسار تقليدي لا يستفيد من موهبته؟
رؤية 2030 تحتاج إلى هذه الأسئلة تحديداً. فالموهبة إذا بقيت فردية تصبح قصة جميلة. أما إذا تحولت إلى نظام، فإنها تصبح جزءاً من الاقتصاد. الطالب الذي يحل مسألة فيزيائية صعبة اليوم قد يعمل غداً في الطاقة المتجددة، أو الفضاء، أو أشباه الموصلات، أو الذكاء الاصطناعي، أو الطب الحيوي. لكن ذلك يحتاج إلى جسر طويل بين المدرسة وسوق المعرفة، لا إلى صورة تكريم فقط.
هناك مؤشر آخر يعزز هذا الاتجاه. موهبة أعلنت في مايو 2026 أن المملكة حافظت على المركز الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة في معرض آيسف للعام الثالث على التوالي. هذا لا يخص الفيزياء وحدها، لكنه يدل على أن السعودية تحاول بناء حضور علمي قبل جامعي عبر البحث والمسابقات والابتكار، لا عبر المناهج وحدها. المهم أن يبقى هذا الحضور متصلاً بتطوير التعليم العام، لا منفصلاً عنه كنخبة معزولة.
الخلاصة أن المنتخب السعودي للفيزياء يقدم وجهاً هادئاً من وجوه رؤية 2030. ليس فيه ضجيج المشاريع الكبرى، لكنه يمس أساسها العميق. فالدولة التي تريد اقتصاداً جديداً تحتاج إلى عقل جديد في المدرسة، وإلى طالب لا يخاف من المسألة الصعبة. الميدالية مهمة، نعم، لكن الأهم هو ما تصنعه بعدها. فإذا عاد هؤلاء الطلبة إلى مسارات تحتضنهم، واتسعت الفرصة لغيرهم، فلن يكون المنتخب فريقاً لمسابقة دولية فقط، بل علامة على تحول أبطأ وأعمق في معنى التعليم العلمي في السعودية.
اقرأ أيضاً: نيوم بين الحلم والكلفة: تعليق “ذا لاين” يعيد سؤال الواقعية إلى رؤية 2030

