تواجه السعودية معادلة زراعية صعبة: طلب غذائي يتوسع، ومياه جوفية محدودة، ومناخ جاف لا يترك هامشاً واسعاً للأخطاء. لذلك لم يعد تطوير الزراعة مرتبطاً بزيادة المساحات المزروعة وحدها، بل بطريقة استخدام المياه داخل الحقل. خلال أسبوع المياه السعودي 2026، ظهر هذا الاتجاه بوضوح في حديث الجهات الرسمية والخبراء عن كفاءة الري، وإعادة استخدام المياه المعالجة، والتقنيات الرقمية التي تقيس حاجة النبات بدل الاعتماد على جداول ري ثابتة.
الفكرة الأساسية بسيطة في ظاهرها. إنتاج غذاء أكثر من كل متر مكعب ماء. لكن تطبيقها يحتاج إلى بنية تنظيمية وتمويلية وتقنية كبيرة. السعودية تتحرك في هذا الاتجاه عبر كود ممارسات الري، ومزارع ذكية ونموذجية، ومشاريع للتوسع في المياه المعالجة، واتفاقات تنظم أدوار الجهات المسؤولة عن إعادة الاستخدام. السؤال العملي هو ما إذا كانت هذه الأدوات قادرة على تأسيس نموذج قابل للتوسع في الزراعة الجافة، لا مجرد تجارب ناجحة في مواقع محددة.
الزراعة الجافة وحدود المياه
توضح استراتيجية المياه الوطنية أن السعودية تعمل في بيئة شح مائي حقيقي. فالبلاد تمتلك احتياطيات محدودة من المياه الجوفية غير المتجددة، ومعدلات تغذية طبيعية منخفضة، بينما كانت احتياجات المياه في 2015 تبلغ نحو 24.8 مليار متر مكعب وتنمو سنوياً. وتذكر الاستراتيجية أن الزراعة كانت تمثل 84% من إجمالي الطلب على المياه، وأن 90% من المياه المستخدمة زراعياً كانت تعتمد على موارد غير متجددة، مع كفاءة ري تقارب 50% مقابل أفضل ممارسات تتجاوز 75%.
هذه الخلفية تفسر لماذا أصبح تغيير نمط استخدام المياه جزءاً من السياسة الزراعية. ففي جلسة “من المياه إلى الغذاء: تحويل الندرة إلى أمن في الأراضي الجافة”، التي عقدت ضمن أسبوع المياه السعودي 2026، تحدث المشاركون عن إصلاحات شملت إعادة هيكلة أنماط المحاصيل، ورفع كفاءة الري، والتوسع في التقنيات الحديثة ومصادر المياه غير التقليدية. ووفق وزارة البيئة والمياه والزراعة، تراجع استهلاك المياه في محاصيل الأعلاف من 16.6 مليار متر مكعب إلى 6.5 مليار متر مكعب، مع انخفاض المساحات المزروعة بالأعلاف من نحو 501 ألف هكتار في 2015 إلى 198 ألف هكتار في 2025.
هذا التحول لا يعني أن السعودية تخلت عن الإنتاج الزراعي. البيانات الرسمية نفسها تشير إلى نمو الإنتاج في قطاعات عدة. إنتاج الخضراوات تجاوز 3.6 مليون طن، بزيادة تزيد على 90% مقارنة بعام 2016، وإنتاج الفواكه تجاوز مليون طن، بينما وصل إنتاج الدواجن إلى أكثر من 1.3 مليون طن. المعنى هنا أن النقاش انتقل من التوسع بأي كلفة مائية إلى إنتاج يراعي كلفة الماء. هذه نقطة مهمة في بلد يعتمد على التوازن بين الأمن الغذائي وحماية الموارد.
المياه المعالجة والري الذكي
تتقدم المياه المعالجة بوصفها مصدراً يساعد على تخفيف الضغط عن المياه الجوفية. في أيار 2026، وقعت الهيئة السعودية للمياه والمؤسسة العامة للري اتفاقية لتنظيم الأدوار والمسؤوليات في استخدام المياه المعالجة. وبموجب الاتفاقية، تتولى الهيئة الجوانب التنظيمية، بما في ذلك التراخيص والأطر الرقابية وآليات المقابل المالي والتخطيط للمشاريع، بينما تقود المؤسسة العامة للري تنفيذ وتشغيل مشاريع إعادة الاستخدام وإدارة النقل والتوزيع والمبيعات للاستخدامات الحضرية والصناعية والزراعية.
وجود هذا التنظيم مهم لأن المياه المعالجة لا تتحول إلى مورد زراعي بمجرد توفرها في محطات المعالجة. تحتاج إلى شبكات نقل وتوزيع، ومواصفات جودة، وتسعير واضح، وقبول من المزارعين، ومراقبة تمنع الاستخدام غير المناسب. وزارة البيئة والمياه والزراعة تذكر ضمن مستهدفات قطاع المياه إعادة استخدام أكثر من 70% من المياه المعالجة، إلى جانب رفع تغطية شبكات الصرف الصحي إلى 95%. هذه الأهداف تمنح المياه المعالجة دوراً أكبر في السنوات المقبلة، لكنها تربط نجاحها بقدرة البنية التحتية على إيصالها إلى مواقع الطلب.
الري الذكي يعالج الجانب الآخر من المشكلة. صحيفة الاقتصادية نقلت عن الرئيس التنفيذي للمؤسسة العامة للري، محمد زيد أبو حيد، أن السعودية تستهدف رفع كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي إلى 70% بحلول 2030 عبر كود ممارسات الري والتوسع في المزارع الذكية والنموذجية. ووفق التصريحات نفسها، يستهدف الكود رفع كفاءة الري من نحو 55% إلى أكثر من 70%، في قطاع يستهلك جزءاً كبيراً من موارد المياه.
نتائج التجارب الإرشادية تعطي مؤشرات مهمة، مع ضرورة التعامل معها ضمن حدودها. أبو حيد أشار إلى أن تطبيق الكود في المزارع الإرشادية رفع دخل المزارعين في المناطق المستهدفة بنسبة تراوحت بين 15% و20%، ورفع كفاءة الري بنحو 40%، وحسن إنتاجية المحاصيل بنسبة 15%. كما تعمل المؤسسة على تطوير مزارع نموذجية وذكية لتقييم كفاءة استخدام مصادر مياه مختلفة، مع التوسع في الرياض والقصيم ونجران.
منظمة الأغذية والزراعة عرضت بدورها نتائج مبادرة للري الذكي في السعودية، حيث يستطيع المزارعون تشغيل أنظمة الري ومراقبتها عن بعد عبر الهواتف باستخدام وحدات تحكم رقمية وحساسات متقدمة. وذكرت المنظمة أن استهلاك المياه في مزارع المانجو في جازان انخفض بنسبة 19%، وأن البيوت المحمية في الباحة وفرت نحو 24% من المياه، وأن جودة التمور في حقول إرشادية بالأحساء رفعت الربحية بأكثر من 200%، مع ارتفاع كفاءة الري الإجمالية من 50% إلى أكثر من 92% في التجارب التي وثقتها.
ما حدود النموذج؟
هذه النتائج تمنح السعودية أساساً لتقديم تجربة مختلفة في الزراعة الجافة، لكنها لا تكفي وحدها لتعميم النموذج على كل المزارع. التقنيات الذكية تحتاج إلى تمويل وصيانة وتدريب، وتحتاج أيضاً إلى مزارع قادر على قراءة البيانات واستخدامها. المزارع الصغير قد لا يستطيع تحمل كلفة الحساسات أو وحدات التحكم أو تحديث شبكات الري، ما لم يحصل على دعم فني ومالي واضح. لذلك يصبح دور الجمعيات الزراعية والإرشاد والتدريب جزءاً من نجاح التقنية، لا خطوة جانبية.
هناك أيضاً مسألة قبول المياه المعالجة. الدراسات الحديثة حول إعادة استخدام المياه المعالجة في السعودية تشير إلى أن قبول المزارعين والجمهور يتأثر بعوامل اقتصادية وصحية واجتماعية وبيئية. هذا يعني أن جودة المعالجة وحدها لا تكفي. يجب أن تكون المعايير معلنة، والرقابة مفهومة، ونوع المحاصيل المناسبة واضحاً، حتى لا تتحول المخاوف إلى عائق أمام التوسع.
التحدي الثالث يتعلق بالسوق. إذا ساعد الري الذكي على خفض كلفة الماء والطاقة وزاد الإنتاج، فإن أثره الإيجابي يحتاج إلى سوق تستوعب المحصول وسلاسل تبريد وتوزيع تقلل الفاقد. الزراعات عالية القيمة قد تكون أكثر ملاءمة لهذا النموذج من محاصيل كثيفة الاستهلاك ومنخفضة العائد. وهذا يفسر تركيز التجارب على التمور والمانجو والبيوت المحمية، حيث يمكن لكفاءة الري أن تنعكس على الجودة والربحية بصورة أوضح.
الخلاصة أن السعودية لا تقدم جواباً نهائياً لمعضلة الزراعة في الأراضي الجافة، لكنها تتحرك نحو نموذج أكثر واقعية من التوسع التقليدي. المياه المعالجة توفر مورداً إضافياً إذا وصلت بجودة وسعر مناسبين، والري الذكي يقلل الهدر إذا أصبح متاحاً للمزارعين خارج التجارب المحدودة. نجاح هذا المسار سيقاس بقدرته على خفض الضغط على المياه الجوفية، وتحسين دخل المزارع، والحفاظ على إنتاج غذائي مستقر. عند هذه النقطة فقط يمكن الحديث عن نموذج سعودي قابل للتوسع في الزراعة الجافة، لا عن مشروع تقني ناجح في نطاق ضيق.
اقرأ أيضاً: مراكز تسويق الفاكهة في السعودية.. كيف تعيد سلاسل الإمداد تشكيل مستقبل الزراعة؟

