تتطور المشاريع في المملكة العربية السعودية بشكل يثير الدهشة، حتى تفوقت في بعضها على دول غربية لطالما اعتبرناها من الدول المتقدمة. ففي مطار الملك خالد الدولي بالرياض تم البدء بالمرحلة الأولى من مشروع المطار الصامت لجعل المطار هادئاً عبر الاعتماد على الشاشات والوسائل الرقمية بدلاً من مكبرات الصوت في إيصال معظم المعلومات.
بدأت التجربة من الصالة الدولية رقم 5، ولن تختفي النداءات تمامًا كما قد يوحي الاسم، لكن ما سيجري هو تقليلها وحصرها في الأماكن التي يحتاج فيها المسافر إلى سماعها، خصوصاً عند بوابات المغادرة، مع استمرار النداءات الضرورية والأمنية وحالات الطوارئ.
مطار بلا ضجيج.. كيف ستتغير تجربة المسافر؟
الفكرة التي تحاول معالجة المطارات الصامتة هي أن المنتظرين لرحلاتهم يسمعون كل دقيقة نداءً لرحلة، ومع تكرار الإعلانات الصوتية يصبح من الصعب على المسافر معرفة النداء الموجه له.
لذلك بدلاً من أن يسمع جميع الموجودين في الصالة إعلاناً يخص رحلة واحدة، سيصبح الاعتماد أكبر على شاشات الرحلات والقنوات الرقمية، بحيث تصل المعلومة إلى المسافر الذي يحتاجها بشكل مباشر، أما النداءات الصوتية فسيجري تقليلها وحصر جزء كبير منها بالقرب من بوابات المغادرة.
ولا يعني ذلك أن المسافر لن يسمع أي صوت داخل المطار. فهناك معلومات لا يمكن الاكتفاء بعرضها على الشاشة، خصوصاً تلك التي تخص الأمن أو الطوارئ أو التنبيهات المهمة. لذلك ستبقى هذه النداءات موجودة، لكن الهدف هو التخلص من الأصوات المتكررة التي قد تسبب ازدحاماً وتشويشاً داخل الصالة.
ومن المتوقع أن يصبح المطار هادئاً أكثر، وفي نفس الوقت أن تكون النداءات المهمة سهلة الملاحظة عندما تصدر، لأنها لن تضيع وسط عشرات الإعلانات الأخرى.
وهذه الفكرة ليست جديدة، فقد سبقت مطارات دولية عديدة إلى تطبيقها، ومن بينها مطار دبي الدولي الذي بدأ مشروع “المطار الصامت” عام 2010، والنتيجة كانت تقليل عدد النداءات اليومية من أكثر من 2000 نداء إلى أقل من 700، من دون أن يؤثر ذلك في أداء مغادرة الرحلات.
كما كان للسعودية تجربة سابقة بتطبيق مفهوم “المطار الصامت” في مطار أبها الدولي عام 2024، أما دخول مطار الملك خالد الدولي إلى هذه التجربة فيحمل أهمية خاصة بسبب حجم حركة السفر في مطار العاصمة.
ومن الأمور اللافتة للانتباه أن بدء المشروع يأتي في الوقت الذي حصل فيه مطار الملك خالد على لقب “أكثر مطارات العالم تحسناً” ضمن جوائز Skytrax للمطارات لعام 2026، وهذا ما يجعل التطوير رفيق التغييرات المستمرة لتحسين تجربة المسافرين.
من مطار الملك خالد إلى مطار الملك سلمان
لكن قصة الهدوء داخل الصالات ليست التغيير الوحيد الذي ينتظر مطار الرياض. فخلف هذا المشروع الصغير نسبياً توجد خطة أكبر لإعادة رسم شكل قطاع الطيران في العاصمة.
فمطار الملك خالد الدولي افتتح عام 1983، ومنذ ذلك الوقت أصبح أحد أهم المرافق التي تخدم الرياض. ومع مرور أكثر من أربعين سنة تغيرت العاصمة بشكل كبير، حيث زاد عدد السكان، وتوسعت الأعمال والسياحة، وأصبحت الرياض تستقبل أعداداً أكبر من الزوار، ولذلك زادت الحاجة إلى منظومة طيران قادرة على مواكبة هذا النمو.
ومن هنا جاء مشروع مطار الملك سلمان الدولي، الذي تم الإعلان عن مخططه عام 2022، إذ تقوم فكرته على إنشاء منظومة طيران متكاملة، بحيث تحتفظ الصالات الحالية باسم “صالات الملك خالد”، بينما يتضمن المخطط إنشاء مرافق جديدة وستة مدارج متوازية، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المنشآت والخدمات المرتبطة بالمطار.
57 كيلومتراً لمشروع يتجاوز فكرة المطار
وبالنظر إلى مخطط المشروع نلاحظ أن الهدف منه تحويل المساحة التي يمتد عبرها مطار الملك سلمان الدولي والتي تقارب 57 كيلومتراً مربعاً إلى واحد من أكبر مشاريع المطارات عالميًا من حيث النطاق.
والمخطط لا يكتفي بتطبيقه على المدارج وصالات المسافرين، بل يضم أيضاً نحو 12 كيلومتراً مربعاً من المناطق السكنية والترفيهية والتجارية واللوجستية، أي أن المطار سيكون محاطاً بمنظومة من الأنشطة التي يمكن أن تمنحه دوراً اقتصادياً يتجاوز فكرة استقبال الطائرات والمسافرين.
والطموح المرافق للمشروع كبير، حيث يستهدف الوصول إلى قدرة استيعابية تبلغ 120 مليون مسافر سنوياً عام 2030، ثم رفعها إلى 185 مليون مسافر سنوياً عام 2050. كما يستهدف مناولة نحو 3.5 مليون طن من البضائع سنوياً مع الوصول لذلك العام.
وتأتي هذه الخطط في وقت تعمل فيه السعودية على توسيع قطاع الطيران بشكل عام، مع إطلاق طيران الرياض والاستثمار في تأجير الطائرات وصيانتها والخدمات المرتبطة بالطيران. كما يرتبط المشروع بخطط الرياض لاستقبال مزيد من الزوار والأعمال، خصوصًا مع اقتراب استضافة إكسبو 2030.
باختصار، تريد السعودية تحويل مطاراتها لمراكز عالمية لا تقتصر عملها على حركة السفر، بل تتجاوزها لتجمع فيها السفر مع حركة الأعمال والشحن واللوجستيات، خصوصاً وأن موقعها قادر على دعم هذه الفكرة. لذلك خطوة تحويل مطار الملك خالد الدولي لمطار صامت هي جزء من هذا المشروع الكبير.
اقرأ أيضاً: جميع المطارات السعودية تحصل على تصاريح بيئية: ماذا يعني ذلك؟

