يُعدّ التخلص من النفايات الإلكترونية بالشكل الأمثل من أبرز التحديات التي تواجهها الدول في مختلف أنحاء العالم، ورغم أن عملية التدوير تُعتبر الوسيلة الأكثر شيوعاً للحدّ من آثارها البيئية واستعادة المواد القيمة منها، إلا أن ممارستها بطرق غير آمنة تحمل مخاطر صحية وبيئية، لذلك لا بد من الاعتماد على أطر وتنظيمات تحدد كيفية التدوير وفق المعايير الدولية للاستدامة البيئية.
وإلى ذلك، تمثل إدارة هذه المخلفات بشكلها السليم فرصة لدعم الاقتصاد الدائري، إلى جانب حماية البيئة والصحة العامة، بينما يشكل التخلص غير الرسمي منها خطراً تتعرض له مختلف الفئات خاصةً النساء الحوامل والأطفال.
وأي خطوة تطوير مرتبطة بهذا الموضوع تحظى باهتمام واسع، كونها تصب في المصلحة العامة، وتُسهم في ضمان دورة حياة مستدامة للتكنولوجيا، ومن هذا المنطلق تأتي أهمية نجاح المملكة العربية السعودية في إنجاز مبادرتها العالمية، لتنظيم المخلفات الإلكترونية.
ما هي النفايات الإلكترونية؟
تُعرّف النفايات الإلكترونية بأنها كافة المنتجات الإلكترونية منتهية العمر الافتراضي أو المعطلة أو غير المرغوب بها، بما في ذلك أجهزة الحواسيب والتلفاز، إضافة إلى أجهزة الفاكس وغيرها من المعدات التي يتخلص منها أصحابها.
ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن النفايات الإلكترونية تُعتبر من أسرع مصادر النفايات الصلبة نمواً حول العالم، حيث يتجاوز معدل نموها معدل نمو سكان العالم بنحو ثلاثة أضعاف.
ويشكل هذا النوع من المخلفات مخاطر صحية بسبب ما تحتويه من مواد كيميائية سامة، قد تتسرب من المواد المعدنية الموجودة فيها عند دفنها، دون التخلص منها بطريقة صحيحة.
تنظيم المخلفات الإلكترونية في السعودية
تواصل المملكة العربية السعودية جهودها الرامية إلى ترسيخ مكانتها ضمن الاتحاد الدولي للاتصالات، كواحدة من الدول الداعمة لبناء مستقبل رقمي مستدام، وتُعد مبادرة تنظيم إدارة المخلفات الإلكترونية ترجمةً لتلك المساعي.
الجدير بالذكر أن المبادرة أُطلقت بالتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات، وتشمل كلاً من جمهورية الباراغواي وزامبيا ورواندا، وذلك لطوير أطر تنظيمية لتوجيه الجهود الدولية نحو تحقيق الاستدامة الرقمية الشاملة.
وفقاً للتفاصيل المُعلنة، فإن المبادرة السعودية تهدف إلى الحدّ من النفايات الإلكترونية عبر إيجاد حلول ذكية، مما يدعم الاقتصاد الدائري، وتتمحور منجزاتها حول ما يلي:
- تحديث 3 أطر تنظيمية لإدارة ملف المخلفات الإلكترونية.
- إعداد دليل يتضمن أفضل الممارسات والسياسات التنظيمية.
- إجراء دراسات حول حجم تكاليف ورسوم إدارة المخلفات الإلكترونية المرتبطة بالأجهزة.
كما تجدر الإشارة إلى توسع نطاق المشاركة، فقد شهدت المبادرة حضور عدد كبير من الجهات التي يقدر عددها بما يزيد عن 270 جهة، وأكثر من 480 خبيراً من كلا القطاعين العام والخاص من كافة أنحاء العالم.
أهمية المبادرة
أهمية المبادرة تنبع من ضرورة وجود أطر معتمدة لتنظيم إدارة المخلفات الإلكترونية، لضمان التخلص الآمن وإعادة التدوير السليمة لهذا النوع من المخلفات، وهو ما يمكن أن يعود بالفائدة الاقتصادية من جهة، وضمان الصحة العامة والبيئة من جهة أخرى.
وهذا ما يعكس توجه المملكة العربية السعودية، نحو تبني أفضل الممارسات والمعايير العالمية في إدارة وتنظيم المخلفات الإلكترونية، لتحسين جودة حياة مواطنيها ودعم الاقتصاد الدائري، وضمان دورة حياة رقمية مستدامة وشاملة.
نموذج عن الفائدة الاقتصادية لإدارة المخلفات
الأهمية الاقتصادية لمبادرة تنظيم المخلفات الإلكترونية، تكمن بما تحققه من عوائد مالية إلى جانب ما تمنحه من حماية للصحة العامة، وبالعودة إلى أرقام عام 2025، يتبين أن مبادرة “دوّر جهازك” جمعت ما يزيد عن 400 ألف منتج، بقيمة سوقية تتخطى عتبة الـ 120 مليون ريال سعودي.
وقد أُعيد تدوير وتصليح ما يزيد عن 960 طناً من المعدات الإلكترونية، محققةً الفائدة لنحو 120 جهة تعليمية وخيرية، وتجدر الإشارة إلى أن برنامج “أعد تدوير جهازك” من أهم مبادرات شركة CST خلال 2022.
62 مليون طن من المخلفات عالمياً
يعود الاهتمام بالتخلص الآمن من المعدات الإلكترونية غير المرغوب بها إلى سبعينيات القرن الماضي، ويمثل تحدياً بارزاً لمختلف دول العالم، لا سيما مع ازدياد أعداد الأجهزة التي يُستغنى عنها.
وبرز حجم التحدي العالمي بشكل جلي خلال عام 2022، فقد أكدت منظمة الصحة العالمية، وصول حجم النفايات الإلكترونية المنتجة عالمياً إلى نحو 62 مليون طن من المخلفات الإلكترونية عالمياً، إلا أنه لم يُوثق جمع وإعادة تدوير سوى 22.3% فقط منها بالطرق الرسمية.
وتُعد مادة الرصاص من أكثر المواد التي تتسرب إلى البيئة أثناء دفن المخلفات الإلكترونية أو تخزينها أو حرقها، أو باتباع طرق أخرى غير آمنة للتخلص منها، وتؤدي هذه الأنشطة الرديئة إلى ضرر كبير على الصحة البشرية، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل.
إذاً، يؤكد نجاح المملكة العربية السعودية في إنجاز مبادرتها العالمية لتنظيم المخلفات الإلكترونية، أن التعامل مع المخلفات الإلكترونية أصبح جزءاً أساسياً من الاستدامة البيئية والصحية والاقتصادية، فالاهتمام بالأطر والتشريعات المرتبطة بهذا النوع من المخلفات يفتح المجال أمام استثمار الموارد وإعادة الاستفادة من المواد القيّمة، بما يدعم الاقتصاد الدائري.
اقرأ أيضاً: من أجل حياة أفضل: مبادرات جودة الحياة تضفي رونقًا على رؤية السعودية 2030

