لا يمكن القول أن دول العالم تعتمد في إمداداتها النفطية على الموانئ والحقول الموجودة ضمن الخرائط المعروفة فقط. فمن المؤكد أن هناك تحركات خفية تلعبها الدول لضمان إمداداتها حتى في أوقات الحروب. ويظهر ذلك جلياً في الحرب الأمريكية الإيرانية، فتحركات ما يُعرف “بأساطيل الظل” تفتح الباب أمام التساؤلات الكبيرة حول مصدرها ووجهتها، خصوصاً في ظل العقوبات التي تفرضها أمريكا على إيران.
تعد “أساطيل الظل” شبكة من ناقلات النفط القديمة ذات الملكية الغامضة، التي تعمل بعيداً عن الرقابة والتأمين الدولي. هذه الأساطيل لم تعد مجرد أدوات نقل، بل أصبحت لاعباً محورياً في سوق الطاقة العالمي، خصوصاً مع التوترات والحروب التي تعصف بالشرق الأوسط.
وإذا فكرنا بالأمر قليلاً سنجد أن وجود هذه الأساطيل مرتبط حرفياً بوجود الصراع الحالي بالشرق الأوسط، فمع اندلاع الحرب الحالية، خلق تقييد حركة الشحن عبر مضيق هرمز أزمة كبيرة في أسواق النفط. في ظل هذا الوضع، اضطرت واشنطن إلى تخفيف بعض العقوبات على النفط الإيراني والروسي، لتجنب صدمة أكبر في الإمدادات وارتفاع الأسعار. ومن هنا، جاء صعود أساطيل الظل لتكون العمود الفقري لاستمرار تدفق النفط.
أساليب العمل وتأثيرها على الإيرادات العالمية
لا يمكن إنكار قدرة إيران النفطية، فهي تمتلك حالياً نحو 15 مليار دولار من النفط المخزن أو المتحرك في البحر، ومنذ بداية الحرب في 28 فبراير، تمكنت من تصدير حوالي 1.5 مليون برميل يومياً، محققة إيرادات تقارب 140 مليون دولار يومياً. وتعبر الناقلات الإيرانية مضيق هرمز دون تهديد مباشر، ما يظهر قوة هذه الشبكة في الحفاظ على تدفق النفط رغم العقوبات والتوترات.
كما استفادت روسيا أيضاً بشكل كبير. إذ أنه قبل الحرب على إيران، كانت موسكو تواجه ضغوطاً شديدة، حيث فقدت بعض المشترين الرئيسيين مثل الهند، وتأثرت بآليات سقف الأسعار المفروضة على نفطها. لكن مع ارتفاع أسعار النفط وتخفيف العقوبات، تحقق إيرادات إضافية تصل إلى 150 مليون دولار يومياً، زمع تحسين كفاءة الشحن عبر إعادة توجيه السفن بعيداً عن الصين نحو الهند لتقليل وقت الرحلة وزيادة الأرباح.
تتبع حركة أساطيل الظل أعطى معلومات لصحيفة فايننشال تايمز حول نقل النفط الخاضع للعقوبات عبر 1,065 ناقلة منذ عام 2022، أغلبها من إيران وروسيا وفنزويلا. من بينها 683 ناقلة تعمل ضمن “الظل” بلا تأمين غربي، مما يجعل توقيفها أو مراقبتها صعباً. بينما تعرضت 621 ناقلة للعقوبات، بينها 151 شملتها عقوبات أمريكية وأوروبية وبريطانية، فيما 59 سفينة أصبحت بلا تسجيل رسمي.
والجدير بالذكر أن ناقلات الظل تتبع أساليب متعددة لتفادي العقوبات، ومنها إغلاق أجهزة التتبع في 25% من الحالات، و40% بالنسبة للنفط الإيراني، إضافة إلى تغيير العلم والأسماء والألوان. وفي بعض الأحيان، يتم نقل النفط من ناقلة إلى أخرى في عرض البحر، مما يضيف مزيداً من الغموض على مسار الشحنات.
تقدر نسبة النفط الذي تنقله أساطيل الظل بحوالي 25% من الإنتاج العالمي اليوم، هذا يعني أنها لاعب رئيسي في سوق الطاقة. ومع استمرار الحاجة العالمية إلى النفط وسط العقوبات والتوترات، من غير المتوقع أن تتراجع هذه الأساطيل في المستقبل القريب.
أما الأسواق العالمية، فقد شعرت بتأثير هذه التحولات بوضوح عبر ارتفاع خام برنت أكثر من 80% منذ بداية 2026، وخسائر كبيرة للأسهم العالمية، مع استمرار الخسائر في السندات بسبب الضغوط التضخمية. وحذرت بعض المؤسسات المالية من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز حتى يونيو قد يدفع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، مع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى متوسط 4 دولارات للغالون.
باختصار، لكل حرب قواعدها وخفاياها، ويبدو أن أساطيل الظل إحدى أدوات إيران لمواجهة الضغوط الاقتصادية في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها. وعلى الرغم من أنها طريقة التفافية على العقوبات، إلا أنها تضمن تزويد الأسواق العالمية بالطاقة بدلاً من فقده.
اقرأ أيضاً: ميناء ينبع.. محور جديد لتصدير النفط في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية

