بلا شك أول ما يخطر في بال الكثيرين في ظل التوترات الإقليمية الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط والأخص في منطقة الخليج العربي هو ما سيحدث لأسعار النفط، لكونه المحرك الاقتصادي الأول في العالم.
عملياً يعد الخليج العربي شرياناً رئيسياً للطاقة في العالم، إذ يمر عبره يومياً نحو 23 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي. وهذا وحده كافي لفهم حساسية أي توتر يحدث هناك. بينما يعد مضيق هرمز نقطة عبور أساسية لحوالي 20% من إمدادات النفط العالمية. لذلك أي تهديد للسفن أو اضطراب في الملاحة ينعكس فوراً على الأسعار.
بهذا الخصوص أشار الخبير النفطي محمد الشطي إلى أن مجرد التهديدات التي طالت السفن المارة عبر المضيق كانت كافية لدفع الأسعار إلى الارتفاع، بل وأدت إلى تردد بعض السفن في العبور. فالسوق بطبيعته لا ينتظر وقوع الأزمة فعلياً، يكفي أن يشعر بالخطر حتى يبدأ بالتسعير على أساسه.
وقد قفز خام برنت بنحو 10% ليتجاوز 80 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ يونيو 2025. بينما تراجعت أسواق الأسهم، في إشارة إلى القلق من اتساع رقعة الصراع وتأثيره على الاقتصاد العالمي وربما عودة الضغوط التضخمية. لكن رغم كل ذلك، لم تصل الأسعار إلى 100 دولار للبرميل، كما توقع البعض. لماذا؟
لماذا لم نصل إلى 100 دولار حتى الآن؟
يرى محللون أن الأسواق أصبحت أكثر اعتياداً على الصدمات الجيوسياسية. ففي الماضي كان أي توتر كبير كفيلاً بإشعال الأسعار سريعاً. أما اليوم فالمتداولون يعتمدون على معرفة مدى فقدان إمدادات السوق، هل هو دائم أم مؤقت.
والجدير بالذكر أنه قبل التصعيد الأخير كان ميزان العرض والطلب يميل نحو فائض نسبي، مع توقع نمو الإمدادات بوتيرة أسرع من الطلب. هذا الهامش الإضافي خفف من ردة الفعل الأولى للأسعار.
كما أن هناك عوامل هدأت السوق نسبياً، منها ضخ كميات إضافية من النفط من قبل دول في تحالف أوبك+، بالإضافة إلى وجود طاقة إنتاجية احتياطية يمكن استخدامها إذا تعقدت الأوضاع. عدا عن توقيت بدء الهجمات التي جاءت خلال عطلة نهاية الأسبوع، حين كانت الأسواق مغلقة، مما منح المتداولين وقتاً لاستيعاب الحدث بدل رد الفعل الفوري الحاد.
كل ذلك جعل السوق يتعامل مع الأزمة على أنها اضطراب عالي المخاطر لكنه قد يكون قصير الأجل، وليس فقداناً هيكلياً طويل الأمد في الإمدادات.
الغاز أيضاً في دائرة القلق
الأمر لا يقتصر على النفط فقط. فقرار “قطر للطاقة” تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال في حال استمراره قد يضع أوروبا في موقف صعب، خاصة بعد تراجع الإمدادات الروسية. إذ تعد قطر من أكبر موردي الغاز المسال إلى القارة الأوروبية. لذلك في حال تراجع الإمدادات القطرية، قد تستفيد الولايات المتحدة بزيادة صادراتها لأوروبا، بينما قد تتجه روسيا أكثر نحو الأسواق الآسيوية. بمعنى آخر كل أزمة تعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة عالمياً.
بينما قالت بلومبرغ عن مصادر مطلعة أنه حصل ارتفاع في كلفة ناقلات الغاز الطبيعي بنسبة 100 بالمئة في حوض الأطلسي. حيث بلغت أكثر من 200 ألف دولار يومياً. وقد جاء هذا الارتفاع الحاد في أسعار الناقلات بعد توقف قطر عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال.
العامل الحاسم: مدة الصراع
من المؤكد أن هناك عوامل حاسمة لموضوع أسعار النفط، ومنها عامل الوقت، أي إلى متى سيستمر التصعيد. فإذا بقيت اضطرابات الشحن محدودة أو مؤقتة، فمن المرجح أن يتحرك خام برنت ضمن نطاق مرتفع لكن مضبوط. أما إذا حدث تعطل مستدام في الإمدادات، خصوصاً عبر مضيق هرمز، فقد يصبح تجاوز 100 دولار احتمالاً واقعياً.
ومع ذلك، هناك ما يسمى “بتدمير الطلب”. فعندما ترتفع الأسعار كثيراً، يبدأ الاستهلاك بالتراجع، وتسحب كميات من المخزونات، ويتدخل المنتجون لزيادة الإمدادات، مما يعيد شيئاً من التوازن.
باختصار، قد تشهد أسواق النفط تقلبات حادة في المدى القصير، لكن الاتجاه الكبير سيتحدد بمدة الأزمة وحجم تأثيرها الحقيقي على تدفق النفط والغاز. وبين المخاوف والاحتياطيات، تظل الأسواق تراقب وتنتظر الدليل قبل أن تحسم اتجاهها. على الرغم من أن الأسواق اليوم أقل اندفاعاً، إلا أنها حساسة لأي تهديد حقيقي لإمدادات النفط.
اقرأ أيضاً: النفط السعودي بين الحرب والأسواق العالمية والتحديات الاقتصادية

