لا يتحرك الملف النووي في الخليج كملف طاقة فقط. كل لقاء مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يحمل معه طبقتين من المعنى. الأولى تقنية، تتعلق بالسلامة والضمانات والتدريب. والثانية سياسية، لأن المنطقة تقرأ أي حديث نووي على خلفية توتر مزمن، من إيران إلى أمن المنشآت الحيوية، ومن سباق الطاقة إلى هواجس عدم الانتشار. لذلك جاء لقاء الرياض مع رافائيل غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في توقيت يحتاج إلى قراءة أهدأ من الخبر العابر.
السعودية تقول إن مشروعها نووي سلمي، مرتبط بالطاقة والتنمية وتنويع المصادر. والوكالة الدولية، بحكم وظيفتها، تبحث عن وضوح في الضمانات والرقابة والاستعداد المؤسسي. بين الطرفين تقع المسألة الأساسية: كيف تبني دولة طموحاً نووياً مدنياً في إقليم حساس، من دون أن تضيف طبقة جديدة من الشك؟
من اللقاء إلى الرسالة السياسية
استقبل وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في الرياض، كما التقى وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان المسؤول الأممي في لقاء منفصل. وبحسب ما نُشر عن المباحثات، تركز النقاش على التعاون الفني، ومعايير السلامة والأمن النوويين، ومستجدات البرنامج الوطني للطاقة الذرية، إلى جانب قضايا عدم الانتشار والتطورات الإقليمية والدولية ذات الصلة.
هذا الجمع بين الطاقة والخارجية ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فالملف النووي، حتى عندما يكون سلمياً، لا يبقى داخل وزارة واحدة. الطاقة تنظر إلى احتياجات الكهرباء والتحلية والصناعة. الخارجية تنظر إلى الضمانات والصورة الدولية والتوازنات الإقليمية. والوكالة تنظر إلى القواعد، وإلى قدرة الدولة على بناء نظام رقابي لا يترك مناطق رمادية.
تسعى السعودية منذ سنوات إلى تطوير برنامج نووي مدني ضمن رؤية أوسع لتنويع مزيج الطاقة. وقد أعلنت سابقاً التزامها بالاستخدام السلمي للطاقة الذرية، والعمل على تطوير البنية التشريعية والرقابية، وبناء القدرات الوطنية، والاستفادة من خبرة الوكالة الدولية. كما اتخذت خطوة مهمة بالانتقال نحو التنفيذ الكامل لاتفاق الضمانات الشاملة، بعد مرحلة طويلة من بروتوكول الكميات الصغيرة، وهو ما يمنح البرنامج إطاراً رقابياً أوضح أمام المجتمع الدولي.
الرسالة هنا مزدوجة. المملكة تريد أن تقول إن برنامجها يتحرك عبر المؤسسات الدولية لا خارجها. والوكالة تريد أن تؤكد أن أي توسع نووي جديد يجب أن يبدأ من السلامة والشفافية، لا من الإعلان السياسي وحده.
الطاقة المدنية في منطقة قلقة
من الناحية الاقتصادية، تبدو دوافع السعودية مفهومة. الطلب على الكهرباء يتزايد، والتحلية تستهلك طاقة كبيرة، والصناعة تحتاج إلى مصادر مستقرة، كما أن خفض الانبعاثات بات جزءاً من صورة التحول الاقتصادي. الطاقة النووية، في هذه القراءة، ليست بديلاً فورياً عن النفط أو الغاز، لكنها قد تكون جزءاً من مزيج طويل الأجل، إلى جانب الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين ومشاريع الكفاءة.
غير أن المنطقة لا تنظر إلى المفاعل النووي كما تنظر إلى محطة شمسية. التجربة الإيرانية، والهجمات السابقة على منشآت الطاقة في الخليج، وحساسية الممرات البحرية، كلها تجعل أي برنامج نووي موضوعاً أمنياً حتى لو كان مدنياً بالكامل. لهذا تكتسب مفردات مثل الضمانات، والأمن النووي، والاستجابة للطوارئ، معنى عملياً لا لغوياً.
استضافة الرياض للمؤتمر الدولي للطوارئ النووية والإشعاعية، بالتعاون مع الوكالة الدولية، تدخل في هذا السياق. الدولة التي تريد أن تدخل مجال الطاقة النووية لا تحتاج إلى مفاعل فقط. تحتاج إلى خطط طوارئ، ومؤسسات رقابية، ومختبرات، وسلاسل تدريب، وتنسيق مع الجهات الصحية والأمنية والبيئية. أي خلل في هذا المجال لا يبقى داخل حدود المنشأة، ولا تعالجه البيانات اللاحقة بسهولة.
لهذا يمكن القول إن لقاء غروسي في الرياض لا يحمل إعلاناً جديداً بقدر ما يحمل تثبيتاً لمسار. فالبرنامج النووي السلمي لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بمدى قدرة المؤسسات على إثبات أن كل خطوة محسوبة، وأن الرقابة سابقة على التشغيل، وأن الشفافية ليست استجابة للضغط بل جزء من التصميم الأصلي للمشروع.
الاختبار في الشفافية لا في الطموح
سيحتاج البرنامج السعودي إلى شركاء دوليين وموردين وتقنيات وتمويل وخبرات. وهذه الأطراف لا تنظر إلى الطموح فقط. تنظر إلى الاستقرار القانوني، وإلى استقلالية الجهة الرقابية، وإلى وضوح العلاقة مع الوكالة الدولية، وإلى قدرة الدولة على إدارة دورة الوقود والنفايات والسلامة على مدى عقود. المشروع النووي لا يبدأ عند توقيع العقد، ولا ينتهي عند تشغيل المفاعل. هو التزام طويل ومكلف وحساس.
في الداخل، يحتاج الملف إلى خطاب واضح أيضاً. الجمهور لا يكفي أن يسمع أن الطاقة النووية سلمية أو نظيفة. عليه أن يعرف لماذا تحتاج المملكة إليها، وكيف ستدار المخاطر، ومن يراقب، وكيف سيُدرّب الكادر الوطني، وما الضمانات التي تمنع تحول المشروع إلى عبء بيئي أو أمني. القبول الاجتماعي في المشاريع النووية لا يصنعه الإعلان، بل الثقة المستمرة.
هنا تظهر قيمة اللقاء مع الوكالة الدولية. فهو لا يزيل كل الأسئلة، لكنه يمنح البرنامج قناة علنية مع الجهة الفنية الأهم عالمياً في هذا المجال. وكلما زاد التعاون التقني، وتوسعت إجراءات الضمانات، وتقدمت المملكة في بناء منظومة رقابية ومؤسسية واضحة، صار الحديث عن النووي السلمي أكثر قابلية للتصديق وأقل عرضة للتأويل السياسي.
الخلاصة أن لقاء الرياض مع غروسي جاء في لحظة توتر، لكنه لم يكن لقاء تصعيد. كان أقرب إلى رسالة ضبط. السعودية تريد أن تثبت أن مشروعها النووي جزء من خطط الطاقة والتنمية، لا من سباق إقليمي غامض. والوكالة تريد أن تبقي هذا المسار داخل قواعد السلامة وعدم الانتشار. غير أن الامتحان الحقيقي لم يبدأ بعد. سيبدأ عندما تتحول الخطط إلى مواقع وعقود وبناء وتشغيل. عندها لن تكفي عبارات الطمأنة. ستصبح الشفافية اليومية هي معيار الثقة، وسيظهر إن كان النووي السلمي قادراً على التقدم في منطقة قلقة من دون أن يزيد قلقها.
اقرأ أيضاً: السعودية ومجلس الأمن: انعكاسات الهجوم قرب براكة النووية على أمن الخليج

