أصبحت المملكة العربية السعودية عاصمة من عواصم الترفيه في العالم، فالنجاح الكبير لموسم جدة والرياض، والمهرجانات والفعاليات الترفيهية، وحفلات الغناء والموسيقى الضخمة التي قصدها ملايين الزوار، والتي تحولت خشبتها إلى حلم لكل فنان، عدا عن مسابقات المصارعة الحرة وغيرها من الرياضات، كل هذه النجاحات تقف وراءها جهة رسمية واحدة: الهيئة العامة للترفيه.
كانت هيئة الترفيه جزءاً من رؤية 2030 التي أعادت رسم خارطة طريق السعودية في كافة القطاعات. وجاءت ولادتها عام 2016 استجابة لمرحلة التحول التي قررت أن تعيشها المملكة. وكان الهدف الأساسي لها جعل الترفيه جزءاً من الحياة اليومية، وخلق قطاع جديد يفتح المجال للاستثمار ويعزز جودة الحياة.
تحولت الفكرة إلى واقع ملموس مع بناء منظومة كاملة للفعاليات والمواسم والبنية التحتية الترفيهية، بدلاً من الاعتماد على فعاليات موسمية محدودة.
قيادة وتطور… محطات في مسيرة الإدارة
مرت الهيئة العامة للترفيه بعدة مراحل إدارية منذ تشكيلها، وكان لكل مرحلة تأثيرها الخاص ولمساتها المميزة في مسار تطوير القطاع الترفيهي. فقد تولى رئاسة الهيئة في بدايتها أحمد بن عقيل الخطيب، حيث كانت المرحلة الأولى مرحلة تأسيس وبناء الأساس الذي يقوم عليه هذا القطاع الجديد، قبل أن يتم إعفاؤه من المنصب في عام 2018.
بعد ذلك، مرت الهيئة بمرحلة انتقالية تم فيها تكليف محمد بن عبد الملك آل الشيخ برئاسة مجلس الإدارة بشكل مؤقت، إلى أن صدر قرار تعيين تركي بن عبد المحسن آل الشيخ رئيساً لمجلس الإدارة في العام نفسه، لتبدأ مرحلة مختلفة تماماً من حيث حجم الطموح وسرعة التوسع، حيث شهد القطاع خلالها إطلاق العديد من المشاريع والمواسم الترفيهية الكبرى داخل المملكة، وتوسيع نطاق الفعاليات بشكل غير مسبوق.
وفي عام 2019، تم تعيين المهندس فيصل بافرط رئيساً تنفيذياً للهيئة، لتعزيز كفاءة التنفيذ والتشغيل بطريقة تناسب حجم الفعاليات المتزايدة وتضمن جودة التجارب المقدمة للجمهور.
من فكرة إلى واقع… كيف تغيّر الترفيه في السعودية؟
خلال مراحل تطور هيئة الترفيه، تطورت الفعاليات الموسمية والأنشطة من المحدودية إلى المنظومة المتكاملة والقائمة على رؤية واضحة وتخطيط طويل المدى. ولذلك تم إطلاق “بوابة الترفيه” في عام 2020، لتكون منصة رقمية تسهل إصدار التراخيص وتنظيم الأنشطة بشكل أكثر احترافية وسرعة، مما ساهم في تطوير بيئة العمل داخل القطاع.
وبعد الإنجازات الكثيرة، والتطور الكبير، كان من الضروري وضع شعار وهوية جديدة للهيئة، وكان ذلك عام 2023 عندما تم إطلاق الهوية الجديدة للهيئة، والتي حملت طابعاً بسيطاً ومبتكراً، عكس حجم التحول الذي شهده القطاع، وعير عن التوجه الحديد القائم على تقديم الترفيه وربطه بهوية واضحة وسهلة الارتباط في أذهان الناس.
أما في عام 2024، فقد دخل القطاع مرحلة أوسع من النضج والتوسع، من خلال إطلاق صندوق استثماري لدعم صناعة المحتوى السينمائي، إلى جانب توقيع شراكات مع جهات رياضية عالمية مثل المجلس العالمي للملاكمة (WBC) ورابطة الملاكمة العالمية (WBA)، وهذا ما جعل المملكة تنتقل إلى المنافسة العالمية في مجال الترفيه.
مواسم الترفيه… من فكرة إلى صناعة ضخمة
من أهم الإنجازات التي جعلت هيئة الترفيه تضع بصمتها الناجحة عليها هو ظهور المواسم الترفيهية، وعلى رأسها موسم الرياض الذي أصبح اليوم واحداً من أكبر الفعاليات الترفيهية في المنطقة والعالم. هذا الموسم لم يعد مجرد مهرجان، بل تحول إلى تجربة متكاملة تمتد لأسابيع طويلة، تضم فعاليات فنية وثقافية ورياضية وتجارب ترفيهية متنوعة تستقطب ملايين الزوار.
ومع نجاح التجربة، قررت هيئة الترفيه التوسع لخلق مواسم وفعاليات في مختلف مناطق المملكة، مثل موسم جدة، وموسم الرياض، ومواسم الأعياد واليوم الوطني، إلى جانب فعاليات موسمية أخرى جعلت الترفيه مستمراً طوال العام وليس مرتبطاً بفترة معينة.
وفي الواقع، هذه المواسم لم تغير فقط شكل الترفيه، بل ساهمت في تنشيط السياحة الداخلية، وفتحت الباب أمام استثمارات ضخمة، وخلقت فرص عمل في مجالات متعددة مرتبطة بالتنظيم والإنتاج والخدمات.
إنجازات وأرقام قياسية وصلت إلى غينيس
من أبرز ما يلفت النظر في تجربة الهيئة هو حجم الإنجازات التي وصلت إلى أرقام عالمية ودخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية. فقد حققت بعض فعاليات الترفيه في السعودية أرقاماً غير مسبوقة عالمياً، سواء في حجم الفعاليات أو الابتكار في تقديمها.
ففي موسم الرياض، تم تسجيل إنجازات مرتبطة بعروض تقنية وفنية ضخمة، من بينها إنتاج أعمال هولوغرامية كبيرة لفنانين عرب، بالإضافة إلى إنشاء مجسمات وألعاب ترفيهية ضخمة دخلت موسوعة غينيس. كما شهدت بعض الفعاليات عروضاً عالمية باستخدام الطائرات المسيرة والليزر، حققت أرقاماً قياسية في حجم العرض وعدد المشاركين فيه.
أما فعالية نور الرياض فقد قدمت أعمالاً فنية ضوئية ضخمة حققت بدورها أرقاماً عالمية، من خلال استخدام تقنيات عرض حديثة على نطاق واسع في قلب المدينة، مما جعلها واحدة من أبرز التجارب الفنية في المنطقة. وكل هذه الإنجازات ساهمت في خلق حالة من المنافسة العالمية بين المملكة وغيرها من الدول في قطاع الترفيه.
أهداف واضحة وإنجازات اقتصادية واجتماعية
وراء هذا الحراك الكبير، هناك أهداف تعمل عليها الهيئة منذ تأسيسها، تتمثل في جعل الترفيه صناعة اقتصادية متكاملة، وتحسين جودة الحياة، وخلق فرص استثمارية جديدة، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في هذا المجال.
وقد انعكس ذلك على أرض الواقع من خلال أعداد ضخمة من الزوار الذين تجاوزوا عشرات الملايين خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى آلاف الشركات التي شاركت في تنظيم وتشغيل الفعاليات. كما ساهم القطاع في خلق فرص وظيفية جديدة، ورفع مستوى النشاط الاقتصادي في مجالات متعددة مثل السياحة والضيافة والخدمات.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي فقط، بل امتد ليشمل الجانب الاجتماعي أيضاً، حيث أصبحت الفعاليات وسيلة لتعزيز التواصل بين الناس، وإنشاء مساحات جديدة للترفيه العائلي والثقافي، مما جعل الحياة اليومية متنوعة واكثر حيوية.
باختصار، كل ما نراه اليوم من نجاحات ضخمة في مجال الترفيه، واستقطاب كبير للزوار للمواسم والفعاليات هو نتاج العمل والجهد الكبيرين للهيئة العامة للترفيه، التي عملت بطريقة ذكية حتى حولت السعودية إلى وجهة عالمية في هذا القطاع.
اقرأ أيضاً: لا تهاون بعد اليوم.. الترفيه في السعودية تحت رقابة أكثر صرامة

