بركة العشار واحدة من أضخم المحطات العريقة التي ساهمت بتخديم القوافل التجارية والحجاج على طريق درب زبيدة الشريان الحيوي ذي الأهمية التاريخية الممتدة منذ العصر العباسي في المملكة العربية السعودية.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
بركة العشار ضمن منظومة متكاملة
تبعد البركة حوالي 50 كيلومتراً عن قرية لينة الأثرية، إحدى أقدم القرى التابعة لمنطقة رفحاء، وتقع العشار وسط صحراء النفود الكبير، ضمن محمية الإمام تركي بن عبدالله، ما يعطيها وزناً طبيعياً وحضارياً في آن واحد.
تُعتبر بركة العشار واحدة من نظام محطات متكامل يميز درب الحج الكوفي (زبيدة)، الذي يتربع على عرش المشاريع الهندسية ذات الطبيعة الخدمية على مر التاريخ الإسلامي، لما يتميز به من بنية تحتية مجهزة لتقديم خدمة متكاملة لحجاج بيت الله الحرام والمسافرين عبر صحراء النفود.
كما تحتوي على 30 منشأة معمارية بوظائف خدمية متنوعة للحجاج، وتبلغ مسافتها حوالي 3 كيلومترات بينما يصل عرضها إلى أكثر من 500 متر، ورُصد بها هياكل وآثار لأبنية وأسواق إضافة إلى بقايا قصور، وبركة على شكل مستطيل تسجل مساحتها 65 تقريباً في 51 متراً بعمق 5 أمتار، وتمثل كل من بركة المتوكل والخالصية إلى جانب المهدية أبرز الموارد المائية فيها.
بركة العشار محفورة بين الأحواض والخنادق المائية (الحزوم)، وتتضمن العديد من المصافي، كما يتم سحب الماء باتجاهها على بعد يزيد عن 7 كيلومترات، عبر دفع تدفق مياه الشعبان والحزوم نحوها، وتتسم بشكلها المدرج كوظيفة لتسهيل نزول الماء، وهي من أجمل البرك المتواجدة في درب زبيدة.
جهود ثقافية
تحظى البركة باهتمام ثقافي ملحوظ، حيث شهدت إقامة خيمة تراثية ثقافية من قبل هيئة تطوير محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية، خلال برامج مهرجان أقيم في وقت سابق تحت اسم “شتاء درب زبيدة”.
وتخللتها ورش عمل إضافة إلى جلسات حوارية وثقافية وعلمية مع متخصصين في علم الآثار الطبيعية والتراثية، بالتعاون مع عدد من الجهات الرسمية مثل هيئة التراث السعودي، وهيئة المساحة الجيولوجية العامة، إلى جانب عدة جامعات سعودية.
درب زبيدة وعلاقته بالسيدة العباسية
تحتوي المملكة العربية السعودية على مجموعة واسعة من الدروب التاريخية، ولكن درب زبيدة أشهرها على مستوى الجزيرة العربية، نظراً لأهميته التاريخية وكثرة معالمه التراثية التي ما زالت آثارها شاهدة حية على عظمة المكان وعراقته حتى يومنا هذا.
ويمتد طريق درب زبيدة من مدينة الكوفة في العراق إلى مكة المكرمة، ويصل طوله ضمن المملكة العربية السعودية إلى ما يزيد عن 1400 كيلومتر، كما يمر عبر عدة مناطق سعودية وهي مناطق الشمال، والقصيم ومكة المكرمة إضافة إلى حائل والمدينة المنورة.
كما شهد الدرب عمليات تطوير وتجهيز واسعة على يد زوجة الخليفة هارون الرشيد السيدة العباسية زبيدة بنت جعفر، وسمي نسبةً لها، تكريماً لما قدمته من أعمال خيرية، فضلاً عن إصدارها أوامر بإنشاء مجموعة من المحطات على امتداد طريق الحج الكوفي.
فيما يُعد درب زبيدة إحدى الطرق التجارية التي كانت موجودة قبل الإسلام، إلا أن أهميته تصاعدت مع ظهور الإسلام، حيث حظي باهتمام كبير لا سيما في بدايات الخلافة الإسلامية، لتخديم الحجاج والمسافرين.
حالياً، يعتبر موقع البركة ضمن المحمية الطبيعية، علامة فارقة في سبيل حمايتها وتعزيز مكانتها كمعلم تراثي ومقصد سياحي بارز في المملكة العربية السعودية، كما يمكن أن يساعد ذلك على ربط الأجيال بالإرث الحضاري الإسلامي في الشمال، وتكثيف الجهود لتنشيط السياحة الثقافية اعتماداً على قيمة المكنونات الأثرية للمكان.
ختاماً، تبقى بركة العشار من أبهى برك درب الحج الكوفي وأكملها، نظراً لما تتفرد به من مزايا عديدة كالحجم والبنية الخدمية الشاملة، والتنظيم المعماري، ما يجعلها نموذجاً من الأعمال والجهود الحضارية التي تفننت بها الدولة الإسلامية لتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن في ذلك الوقت.
اقرأ أيضاً: بيوت الطين في السعودية أسرار الحضارة والتراث المختبئة بين جدران الزمن

