أطلقت الهيئة السعودية للموسيقى برنامج “أثر”، الذي يطرح تساؤلاً يتجاوز الاحتفاء المعتاد بالمبادرات الثقافية، ويتناول قضية أكثر تعقيداً، هل يمكن قياس أثر الموسيقى على الصحة النفسية والمجتمع باستخدام منهج علمي موثوق، أم أن “الأثر الاجتماعي للفنون” لا يزال مفهوماً يصعب تحديده من خلال الاستبيانات والمقابلات والملاحظات الميدانية؟ ما يجعل نجاح “أثر” في إنتاج مثل هذا النموذج إسهاماً قيماً سيتجاوز حدود المملكة، شريطة أن يتم تنفيذه بعناية، بدلاً من أن يكون مجرد تقرير وصفي للاستنتاجات يشيد بالأنشطة دون قياس التغيير الفعلي.
برنامج أثر يستهدف الفئات الأكثر حاجة
يستند البرنامج إلى دراسة تحليلية لتحديد الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفاً، ما يثير تساؤلات حول معايير الاختيار نفسها، من هم هؤلاء؟ ما هي الاحتياجات النفسية والاجتماعية التي تُبنى عليها هذه الأولوية؟
إنّ غياب تفاصيل واضحة حول الجمهور المستهدف، سواء أكانوا من ذوي الإعاقة، أو سكان المناطق الأقل حظاً من حيث الأنشطة الثقافية، أو فئات أخرى يصعب تقييم مدى عدالة التوزيع الجغرافي للبرنامج، لا سيما وأنّ تنفيذه يتركز في المدن الرئيسية الثلاث: الرياض، وجدة، والأحساء. ويبقى التوسع رهناً بنتائج أخرى.
وهذا يطرح تساؤلاً حول مدى وصول هذه المبادرات الثقافية إلى المناطق الأقل شهرة في المشهد الفني السعودي. هل ستكون نتائج الدراسة التحليلية الأولية كافية لتوجيه التوسع إلى المناطق الأكثر احتياجاً، أم سيظل جاذبية المدن الكبرى المعيار الفعلي لاختيار أماكن العروض؟
اقرأ أيضاً: صيف جدة بدأ.. وجهات جديدة ورحلات بحرية بانتظارك
هل يستمر الأثر النفسي للموسيقى بعد انتهاء البرنامج؟
يظهر الجدول الزمني للبرنامج، الذي سيستمر قرابة 12 شهراً ويفضي في نهاية المطاف إلى تقرير نهائي ودليل إجرائي لتكرار التجربة. مع ذلك، يهدف البرنامج إلى تحقيق استدامة الأثر النفسي والاجتماعي بعد انتهاء ورش العمل، والاعتراف الرمزي بشهادات “صانع التأثير”، ونهاية استخدام آلات الإيقاع.
تشير التجارب العالمية في مجال العلاج بالموسيقى وبرامج التمكين الثقافي إلى أن الأثر الإيجابي قد يتضاءل إذا لم تُربط هذه الورش بمسارات مستدامة تمكن المشاركين من مواصلة ممارسة الموسيقى بعد انتهاء البرنامج الرسمي، سواء من خلال المجتمعات المحلية أو المساحات الإبداعية الدائمة. وهذا ما يلفت النظر حول طبيعة التعاون مع منصة أنغامي، وهل تقتصر الشراكة على تقديم الدعم التقني للتجربة التفاعلية خلال البرنامج، أم أنها تمتد إلى إنشاء قناة استمرارية. وبالتالي تحويل برنامج أثار من مبادرة موسمية إلى نظام دعم ثقافي راسخ يتماشى مع تطلعات رؤية 2030 لإنشاء قطاع ثقافي مستدام
الموسيقى كأداة للتغيير الاجتماعي.. بين الواقع والرغبة
في ضوء الأهداف الطموحة لبرنامج آثار، تبرز قدرة الموسيقى على إحداث تغيير اجتماعي حقيقي ودائم يتجاوز مجرد الراحة أو الترفيه المؤقت. فبينما تتزايد الأدلة على فوائد الموسيقى في تحسين المزاج والصحة النفسية، فإن ترجمة هذه الفوائد إلى مؤشرات قابلة للقياس وتقييم علمي يتطلب جهوداً متخصصة وتعاوناً بين خبراء الموسيقى وعلم النفس وعلم الاجتماع.
كما يؤكد البرنامج على أهمية دمج الموسيقى في البرامج والسياسات العامة كجزء من نهج شامل يدعم المجتمعات المتنوعة. وهذا يتطلب تخطيطاً حول كيفية تجاوز الأطر التقليدية لقياس النجاح، من أجل تطوير نماذج تحترم التنوع الثقافي والاجتماعي للمملكة وتستجيب للتحديات المعاصرة.

