جلس وزير الخارجية السعودي في قاعة تضم إيران وروسيا والصين والهند، بينما كانت الحرب تضغط على الخليج وممراته وحقوله. لا تحتاج الصورة إلى مبالغة كي تبدو لافتة. الرياض التي بنت أمنها طويلاً على العلاقة الأميركية ذهبت إلى منصة تريد نظاماً أقل تمركزاً حول الغرب، من دون أن تقول إنها غادرت شراكتها القديمة.
شارك الأمير فيصل بن فرحان في قمة بريكس في نيودلهي بصفة ممثل للسعودية، ووضع أمن المملكة والخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز في قلب كلمته. الحضور مفهوم في زمن كهذا. أما معناه، فلا يُختصر بعضوية محسومة ولا بانقلاب جيوسياسي. إنه بحث عن هامش حركة حين تضيق المحاور التقليدية على أصحابها.
مقعد حاضر وعضوية معلقة
تصف وكالة الأنباء السعودية المملكة بأنها دولة مدعوة إلى قمة 2026، فيما يدرجها الموقع الرسمي للرئاسة الهندية ضمن الأعضاء. وفي المقابل، ظلت مصادر سعودية تقول إن دعوة الانضمام ما زالت قيد الدراسة، كما استبعدتها رويترز من قائمتها لأعضاء المجموعة في تغطية إعلان نيودلهي.
هذا التضارب ليس هامشاً تحريرياً. وضع قدم داخل الغرفة من دون إعلان التزام نهائي يمنح الرياض فوائد المشاركة ويؤجل كلفتها السياسية. لكنه يخلق أيضاً ضباباً لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، لأن الشركاء والمستثمرين يحتاجون إلى معرفة ما إذا كانت السعودية عضواً يصوت ويلتزم أم ضيفاً يفاوض.
الحرب تمنح القاعة وظيفة جديدة
دعا إعلان نيودلهي إلى أقصى درجات ضبط النفس وحل النزاعات بالحوار، في وقت تبادلت فيه الولايات المتحدة وإيران الضربات. وجود إيران والإمارات في المجموعة، وحضور السعودية، جعلا التوافق ممكناً بصياغة عامة. لم توقف الكلمات الحرب، لكنها أبقت قناة تتكلم عبرها دول لا تجلس عادة في غرفة سياسية واحدة بهذا الاتساع.
بالنسبة إلى الرياض، ليست القناة ترفاً. أمن المضيق وسلاسل الإمداد وأسعار التأمين لا تعالجها واشنطن وحدها، خصوصاً حين تكون طرفاً في القتال. تحتاج المملكة إلى التحدث مع بكين التي تشتري النفط، ونيودلهي التي تعتمد على الطاقة الخليجية، وطهران التي تقع على الضفة الأخرى، وموسكو التي تؤثر في سوق الخام.
اقتصاد يطلب أكثر من النفط
تقدم بريكس للسعودية شبكة أسواق وتمويل وتكنولوجيا، لا خزنة سحرية. ناقشت القمة توسيع التسويات بالعملات المحلية، وربط نظم الدفع، وسلاسل إمداد أكثر صموداً، والتعاون في الغذاء والطاقة والبنية الرقمية والذكاء الاصطناعي. لكل ذلك صلة مباشرة باقتصاد يريد زيادة صادراته غير النفطية وجذب رأس المال وتوطين الصناعة.
ولا تعني التسوية بعملات محلية التخلي عن الدولار غداً. الريال مرتبط به، والأسواق الأميركية عميقة، والاستثمارات والعقود الدفاعية ضخمة. ما تبحث عنه الرياض هو إضافة طرق للمعاملة كي لا يصبح طريق واحد نقطة اختناق مالية وسياسية.
ورقة تفاوض لا راية محور
كلما اتسعت علاقات السعودية، ارتفعت قدرتها على التفاوض مع واشنطن وبكين معاً. تستطيع أن تطلب من الأولى ضمانات وتقنية وشروطاً أفضل، ومن الثانية استثماراً ونفاذاً إلى السوق، من دون أن تمنح إحداهما حق الفيتو على العلاقة الأخرى. هذه هي الاستقلالية الاستراتيجية في صورتها العملية.
لكن اللعب على المسافات يحتاج إلى حدود واضحة. إذا تحولت بريكس إلى أداة مواجهة صريحة مع الغرب، ستزداد كلفة العضوية على الرياض. وإذا بقيت بيانات بلا مشاريع قابلة للقياس، ستتراجع فائدتها. لذلك يناسب السعودية أن تبقى المجموعة منصة تعاون مرنة أكثر من كونها تحالف ولاء.
ما لا تستطيع بريكس تقديمه
بريكس ليست مظلة دفاع، ولا تملك قيادة موحدة أو آلية تلزم أعضاءها بمساندة بعضهم. الهند والصين تتنافسان، وإيران والإمارات مختلفتان في ملفات حساسة، وروسيا والصين تريدان من المجموعة أدواراً قد لا تقبل بها دول أخرى. الإجماع يمنح البيان وزناً، لكنه يجعله واسعاً بما يكفي ليتعايش الجميع معه.
لهذا لا ينبغي قراءة الحضور السعودي كبديل فوري للتحالفات الأمنية. قيمته في تنويع العلاقات وتوسيع قنوات التهدئة وبناء أدوات اقتصادية احتياطية. أما الأمن الصلب فيبقى محتاجاً إلى قدرات وطنية وترتيبات خليجية وشراكات متعددة خارج بريكس وداخلها.
في الختام، تبحث السعودية خارج المحاور التقليدية عن حرية اختيار، وعن سوق لا تُغلق بقرار واحد، وعن هاتف يمكن رفعه إلى أكثر من عاصمة ساعة الأزمة. والحرب جعلت هذه الحاجات أوضح، لا لأنها أنهت العلاقة مع الولايات المتحدة، بل لأنها كشفت كلفة الاعتماد على باب واحد.
يبقى الغموض حول العضوية جزءاً من الحكاية. قد يكون مفيداً في مرحلة الاختبار، لكنه ليس سياسة دائمة. وعندما تحسم الرياض موقعها، سيكون السؤال الأهم ماذا أخذت من بريكس إلى اقتصادها وأمنها، لا أين جلست في الصورة الجماعية.
اقرأ أيضاً: السعودية وبريكس: محادثاتٌ مع روسيا ولقاءٌ في قلب الهند

