تشتبك السياسة مع الجغرافيا في الخليج اشتباكاً يكشف هشاشة التفاصيل، من مطارات تُعلّق رحلاتها إلى ممرات بحرية تتوتر أعصابها، وتجد السعودية نفسها مطالبة بأن تقول كلمتها بوضوح من دون أن ترفع منسوب اللهب.
تشير الوقائع المتاحة إلى أن المواجهة توسعت عبر ضربات جوية متبادلة، وإلى أن دولاً خليجية تعرضت لهجمات صاروخية ومسيرات، بينما حذرت الأمم المتحدة من خطر اتساع الصراع ودعت إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين والعودة للتفاوض.
وفي موازاة ذلك أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها فعّلت مركزها للحوادث والطوارئ، وأن شبكات المراقبة الإقليمية لم تسجل حتى وقت بيانها ارتفاعاً غير معتاد في الإشعاع في الدول المجاورة لإيران، مع دعوة إلى أقصى درجات ضبط النفس.
“لا حرب مفتوحة” كخيار سعودي
قراءة الموقف السعودي تبدأ من الداخل قبل الإقليم، فالمشاريع الكبرى والتحول الاقتصادي يحتاجان بيئة أقل توتراً، وقد أوضح تقرير للبرلمان الأوروبي أن الاستقرار الإقليمي عنصر حاسم لنجاح رؤية 2030، وأن الرياض منذ 2020 اتجهت أكثر إلى التهدئة والدبلوماسية بدافع الضرورات الاقتصادية، مع الحفاظ على شراكة أمنية مع واشنطن وتوسيع هوامش العلاقات مع قوى أخرى.
من هنا تبدو صيغة لا حرب مفتوحة أقرب إلى هدف وقائي، تحاول الرياض أن تحققه عبر إدارة التوازن لا عبر الرهان على كسر كامل، لأن أي حرب مفتوحة تطيل اختبار البنية التحتية وتُربك الاستثمار.
لغة التهدئة في البيانات
في نصوصها الرسمية تُظهر السعودية تمسكاً بخفض التصعيد حتى وهي تحت الضغط. ففي بيان مشترك صدر عن اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي نوقشت الهجمات الإيرانية ووصفت بأنها مرفوضة، ودُعيت إيران لوقفها فوراً، مع تأكيد متكرر على أن الحوار والدبلوماسية هما الطريق لحل الأزمة، والتنويه بدور سلطنة عمان بوصفه قناة بناءة.
اللافت كذلك أن البيان نفسه شدد على التزام دول المجلس بعدم السماح باستخدام أراضيها منصة لشن هجمات على إيران، ما يعني أن التهدئة ليست خطاباً للاستهلاك بل محاولة لصناعة مسافة أمان بين أراضي الخليج وساحات الضربات.
الردع الدفاعي بلا انزلاق
لكن لغة التهدئة لا تلغي مفردات الردع، فبيان وزارة الخارجية السعودية المشترك مع دول خليجية والولايات المتحدة أدان ما وصفه بالهجمات العشوائية والمتهورة بالصواريخ والطائرات المسيرة، ورأى أنها عرّضت المدنيين للخطر وألحقت أضراراً بالبنية التحتية، ثم شدد على حق الدفاع عن النفس وأشاد بالتعاون في الدفاع الجوي والصاروخي الذي حد من خسائر أكبر.
وفي السياق الميداني أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض صواريخ باليستية ومسيرات استهدفت قاعدة الأمير سلطان الجوية، وهو إعلان يضع إطاراً عملياً لفكرة لا حرب مفتوحة، أي حماية الداخل واعتراض الهجمات مع السعي لمنع الانزلاق إلى ردود توسع دائرة النار.
أسواق الطاقة ومضيق هرمز
تنعكس الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد قبل السياسة، لأن الخليج عقدة طاقة عالمية. وتحدثت التقارير الأخيرة عن تجاوز النفط 100 دولار للبرميل مع اضطراب الإنتاج والشحن، وذكّرت بأن مضيق هرمز ينقل نحو خمس نفط العالم، ما يجعل أي تهديد للملاحة فيه محفزاً مباشراً للتقلب. لذلك أكد بيان مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي ضرورة حماية الممرات البحرية وحرية الملاحة، بما فيها مضيق هرمز وباب المندب واستقرار أسواق الطاقة العالمية، وتأمين سلاسل التوريد في لحظة اضطراب حادة.
مسارات محتملة لما بعد الأزمة
في المدى القريب تبدو السعودية أمام مسار مزدوج، دفع دبلوماسي نحو هدنة وعودة للتفاوض، مع استمرار تعزيز الدفاعات لحماية المدن والمنشآت، ومن دون أن تُقرأ الإجراءات دفاعاً كتصعيد متعمد. وتحذيرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية تزيد من ثقل هذا المسار، إذ دعت إلى أقصى درجات ضبط النفس، وذكرت أن ضرب المنشآت النووية قد يفضي إلى عواقب إشعاعية تتجاوز الحدود. ومع تأكيد الأمم المتحدة ضرورة حماية المدنيين، تتحول معادلة “لا حرب مفتوحة” إلى اختبار يومي بين التهدئة والرد.
اقرأ أيضاً: مضيق هرمز “عنق الزجاجة”: سيناريوهات السعودية لتأمين الإمدادات والتصدير

