عُرِفت قديماً باسم “الرقمات” وتُعدّ اليوم الزينة الأثرية لمنطقة نجران في المملكة العربية السعودية، إنها مدينة الأخدود التاريخية التي ارتبطت شهرتها بقصة أصحاب الأخدود المذكورة في القرآن الكريم، وتتميز بتضاريسها الطبيعية وآثارها الثمينة، ما يجعلها تحقق بصمة لا تُمحى في عالم التاريخ.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
مدينة الأخدود الأثرية
تتربع مدينة الأخدود على أطراف وادي مدينة نجران جنوب السعودية، وتعود تسميتها نسبة لقصة المذبحة التاريخية التي قام بها الملك الحميري ذو نواس بحق المسيحيين في المدينة خلال الفترة ما بين 520م إلى 523م، والتي ذُكِرت في القرآن الكريم (أصحاب الأخدود)، كما شهدت تعاقب أحقاب زمنية متعددة امتدت إلى حوالي 1000 عام ق.م.
وتشتهر المدينة بآثارها التاريخية العريقة، إلى جانب جمالها الطبيعي المتجسد بالتضاريس الخلّابة، حيث تتمتع بجبالها الشامخة وأوديتها الساحرة، ما يجعلها محطّ أنظار عشاق الطبيعة ومحبي الاكتشاف على حدٍّ سواء.
المقومات الأثرية في مدينة الأخدود
للأخدود مقومات تاريخية أثرية لا تُقدّر بثمن، حيث تتضمن مجموعة من المباني المشيّدة بالحجارة والطين، والتي يُقدر عددها بحوالي 25 مبنى، إلا أنه لم يتبقَّ من ملامحها العمرانية إلا الأساسات وعدد من الجدران العتيقة بارتفاع يتراوح بين 3 و4 أمتار، كما تبرز رحى ضخمة لطحن الحبوب كشاهد حيّ على الحضارات المتعاقبة التي استوطنت المنطقة عبر التاريخ.
علاوة على ذلك، تتفرّد الأخدود بقلعة حصينة تُعتبر واحدة من أهم معالمها الأثرية، حيث يُقدر المؤرخون زمن استيطانها بالفترة الممتدة من 500 ق.م، إلى أواسط القرن الأول للميلاد، كما تتميز بوجود بقايا سور تاريخي يبلغ طوله 235م، وعرضه حوالي 220م.
وتحتضن المدينة مجموعة من النقوش الصخرية والرسومات الحيوانية المزيّنة لحجارة أبنيتها العتيقة، كما شهد الموقع اكتشاف بقايا بشرية ترجع إلى أواسط القرن الأول للميلاد.
موقع تاريخي استراتيجي
وتنبع أهمية الأخدود التجارية قديماً من موقعها الاستراتيجي كمحطة رئيسية على طريق البخور، الأمر الذي جعلها مطمعاً للعديد من الممالك ضمن شبه الجزيرة العربية خلال فترات متباينة، وتميز سكانها باعتمادهم على أعمال الزراعة والتجارة، فضلاً عن كونها الحلقة المركزية لتوسع وازدهار منطقة نجران العتيقة.
أعمال التنقيب
يكتسب موقع الأخدود أهمية تاريخية وأثرية كبيرة في المملكة العربية السعودية، وذلك يتجسد بأعمال التنقيب التي نفّذتها هيئة السياحة والتراث السعودية، حيث أقدمت على مجموعة من الإجراءات لاكتشاف خبايا المدينة، كإجرائها لحفريات داخل موقع القلعة ما أدى إلى اكتشاف أقدم مسجد في المنطقة حتى يومنا هذا، ويقع في الجهة الشمالية الشرقية للقلعة.
كما كشفت عمليات المسح الأثري النقاب عن رسوم بالغة الأهمية، تعود لأزمان غابرة ممتدة من (7000 ق.م وحتى 1000ق.م)، وقد سلطت الضوء على معلومات جديدة عن الحياة البشرية في ذلك الوقت، فأهالي المدينة كانوا يتجهون نحو تربية الكلاب السلوقية، كما أنهم اعتمدوا اصطياد الجمال عبر مختلف أنواع الأسلحة السائدة في تلك الحقبة كالعصي والسهام والرماح والأقواس.
وتوالت الاكتشافات الأثرية في مدينة الأخدود منذ بدء عمليات التنقيب، حيث عُثِر على مجموعة متنوعة من الكنوز الأثرية والجرار والأواني الفخّارية، إضافة إلى عدد من العملات والحُليّ وأدوات الزينة، كما تؤكد شواهد القبور الإسلامية وجود منطقة إسلامية، فضلاً عن العثور على مدافن متعددة تعود لفترات قبل الميلاد.
ويُعتبر النقش الضخم المنحوت على حجر جرانيت من أبرز الاكتشافات الأثرية في الموقع، فهو أطول النقوش المسندية في ذلك الموقع، ويتكون من سطر واحد بطول 230 سم وارتفاع يبلغ 48 سم، أما طول الحروف فكان حوالي 32سم، وصاحبه يُدعى (وهب إيل بن مأقن)، ويُفهم من نقشه المميز أنه قام بأعمال في سقاية منزله أو قصره.
كما عُثِر على ثلاثة خواتم ذهبية بذات الشكل والمقاس، وهي مزينة بزخارف تأخذ شكل فراشة، كما تم اكتشاف رأس ثور تظهر عليه علامات أكسدة وقد صُنِع من المعدن البرونزي، ويُعتبر رمزاً تاريخياً يعود لما قبل الإسلام كإشارة للقوة والخصوبة.
ختاماً، تبقى مدينة الأخدود متحفاً تاريخياً عريقاً يبهر المؤرخين وعلماء الآثار بمكنوناته التي لا تزال تظهر مع كل عملية تنقيب، لتثبت للعالم أنها بصمة تاريخية لا يغير معالمها غبار الزمن.
اقرأ أيضاً: بين جبال تبوك: سر وادي الديسة وعلاقته باليونسكو

