تسعى حكومات العالم إلى تطوير الجانب السياحي باستمرار، لأنها تشكل قطاعاً مهماً من القطاعات التي تقوم عليها دول بأكملها. لذلك تأتي البرامج السياحية ضمن الخطوات المهمة لهذا التطوير، وتسير بحسب الرغبات المطلوبة للسياح. فقد يرغب السائح في زيارة معالم سياحية في عدة دول، إلا أن ما يمنعه من تحقيق هذه الرغبة هو الإجراءات التي تخص كل دولة لدخولها. وهنا تأتي تأشيرة شنغن التي يعمل بها الاتحاد الأوروبي لحل هذه المشكلة.
وعلى نفس المبدأ، يحاول الخليج العربي إنشاء تأشيرة شنغن سياحية بين دوله، وتسمى التأشيرة السياحية الخليجية الموحدة. حيث ستسمح هذه التأشيرة للزائر بالتنقل بين الدول الخليجية الست: السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وسلطنة عمان.
وعلى الرغم من أن المشروع تم طرحه قبل سنوات، إلا أن الجديد في الموضوع هو اقترابه من مرحلة الإطلاق، فقد أعلن الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم البديوي، أن المشروع وصل إلى مراحله الأخيرة من الناحية الفنية والتنظيمية، بعد تنسيق بين وزارات الداخلية وإدارات الجوازات في دول المجلس.
وكانت دول المجلس قد أقرت المشروع من حيث المبدأ في عام 2023، ومنذ ذلك الوقت استمرت الاجتماعات الفنية والعمل على الجوانب القانونية والتقنية والأمنية اللازمة لتطبيقه.
ماذا تعني التأشيرة الموحدة للمسافر؟
يمكن شرح الفكرة ببساطة بأن السائح الذي يرغب في استكشاف دول الخليج العربي يمكنه، بتأشيرة واحدة، الاستمتاع بمعالم هذه الدول، دون الحاجة إلى إجراءات منفصلة عند حدود كل دولة. وبدلاً من البحث عن شروط التأشيرة الخاصة بكل دولة وتقديم طلبات متعددة، سيكون بإمكانه التقدم بطلب واحد عبر نظام إلكتروني موحد، وفق الآلية التي ستعلنها الجهات الخليجية رسمياً.
وبحسب ما يتم تداوله من معلومات حول الأوراق المطلوبة لهذه التأشيرة، سيُطلب من السائح معلومات أساسية عنه وعن وثائقه الأساسية، مثل جواز سفر ساري المفعول، وإثبات مكان الإقامة، وخطة الرحلة، والتأمين الصحي، وإثبات القدرة المالية، بالإضافة إلى تذكرة العودة أو السفر إلى وجهة أخرى.
لكن بعض التفاصيل المهمة، مثل الرسوم النهائية ومدة التأشيرة والفئات والدول التي ستشملها في المرحلة الأولى، لم يتم الإعلان عنها، وبالتالي هي قيد انتظار الإعلان الرسمي النهائي عن التأشيرة. وكانت تقديرات سابقة قد تحدثت عن إمكانية أن تمتد صلاحيتها من شهر إلى ثلاثة أشهر، لكن ذلك لا ينبغي اعتباره مدة نهائية قبل صدور القواعد الرسمية.
وأيضاً من المتوقع أن تكون السياحة هي الاستخدام الأساسي للتأشيرة، مع إمكانية أن تشمل زيارة الأهل والأصدقاء، بالإضافة إلى ترتيبات خاصة لبعض فئات المقيمين غير المواطنين في دول الخليج، بحسب الشروط التي ستحددها كل مرحلة من مراحل التطبيق.
أما مواطنو دول مجلس التعاون أنفسهم، فلا يحتاجون إلى هذه التأشيرة، لأنهم يتمتعون أصلاً بتسهيلات واسعة في التنقل والإقامة بين دول المجلس.
والفكرة الجذابة في الموضوع أن السائح لن يضطر إلى اختيار دولة واحدة فقط، فمثلاً يمكنه أن يضع برنامجاً سياحياً يبدأ من الإمارات، ثم ينتقل إلى قطر والسعودية، ويختتم رحلته في البحرين أو عمان، بحسب المدة والميزانية والوجهات التي يرغب في زيارتها. وذلك يغير من طريقة التخطيط للرحلات، لتتحول إلى جولة خليجية بالكامل.
اقرأ أيضاً: 304 مليارات ريال إنفاق سياحي: السياحة السعودية تدخل مرحلة الأرقام الثقيلة
لماذا تراهن دول الخليج على المشروع؟
يحمل المشروع الذي تعمل عليه دول الخليج العربي أبعاداً اقتصادية وسياحية، خصوصاً في ظل القطاعات الجديدة التي تركز على تطويرها بعيداً عن اقتصاد النفط، وتأتي السياحة ضمن هذه القطاعات. لذلك، كلما كان التنقل سهلاً بين هذه الدول، زادت إمكانية أن يقضي السائح وقتاً أطول في المنطقة وينفق في أكثر من وجهة.
فإذا أخذنا مثالاً بسيطاً، يمكننا فهم ما تخطط له الدول الخليجية، ونضع يدنا على الفوائد من تأشيرة شنغن الخليجية. فقد يأتي سائح إلى الخليج لمدة أسبوعين، وبدلاً من أن يقضيها متنقلاً بين مدن دولة واحدة وينفق فيها، يصبح بإمكانه زيارة عدد من المدن في أكثر من دولة خليجية وينفق في فنادقها ومطاعمها وأسواقها وفعالياتها، وهذا يعني فائدة اقتصادية لعدة دول خليجية.
وهنا تأتي فكرة “وجهة خليجية واحدة”. فالمنطقة تمتلك مزيجاً يصعب أن تجده في مكان واحد، حيث يوجد فيها مدن حديثة وناطحات سحاب، وأسواق شعبية قديمة، وشواطئ، وصحارى، ومواقع تراثية، وفعاليات رياضية وثقافية وترفيهية ضخمة.
وإذا تعمقنا بالجهات المستفيدة، يظهر لدينا أن وكالات السفر ومنظمي الرحلات يمكنهم أيضاً تصميم برامج جديدة تجمع عدة دول في باقة واحدة، بدلاً من بيع رحلة منفصلة لكل دولة. وهذا قد يفتح المجال أمام مسارات سياحية لم تكن عملية في السابق بسبب اختلاف إجراءات الدخول.
لكن تسهيل حركة الزوار يحتاج في المقابل إلى تنسيق أمني وتقني قوي، ولذلك تعمل وزارات الداخلية وإدارات الجوازات في دول المجلس على الربط بين الأنظمة وتطوير آليات مشتركة للتعامل مع حركة المسافرين.
وهذا النوع من التعاون ليس جديداً تماماً، فقد شهدت دول الخليج خلال السنوات الماضية تطوراً في الربط الإلكتروني بين الأنظمة الأمنية، إلى جانب خطوات مثل الاعتراف المتبادل برخص القيادة والربط الإلكتروني للمخالفات المرورية.
بينما علق البديوي على فكرة الربط الإلكتروني بين دول الخليج، وقال إن هناك توجهاً خليجياً لوضع استراتيجية مشتركة للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحيث تستفيد دول المجلس من إمكاناته، وفي الوقت نفسه تتعامل مع التحديات الأمنية التي قد ترافق استخدام هذه التقنيات.
كما يأتي الانفتاح السياحي في الوقت الذي يتعاون فيه الخليج أمنياً لمواجهة المخاطر التي تستهدف المجتمعات الخليجية، ومن بينها محاولات ترويج المخدرات واستهداف فئة الشباب. وأكد البديوي وجود استراتيجية أمنية خليجية مشتركة لمواجهة هذه التحديات، بالإضافة إلى تنسيق ميداني ولجان متخصصة بين دول المجلس.
باختصار، وجود تأشيرة سياحية خليجية موحدة يعني فتح الخيارات أمام السياح عند زيارتهم للخليج العربي، وتقف خلف هذه الخيارات الكثير من البرامج السياحية المتوقع صدورها فور الإعلان عن إطلاق التأشيرة. وهذا بحد ذاته يعني تشغيل الكثير من وكالات السفر. وبالرغم من احتياجها إلى تنسيقات أمنية واقتصادية وتقنية كبيرة، إلا أنها تأخذ دول الخليج نحو وحدة الازدهار السياحي.
اقرأ أيضاً: ما هي الدول المسموح لها بالتأشيرة السياحية السعودية؟

