سجل مؤشر أسعار المنتجين في المملكة العربية السعودية خلال فبراير 2026 ارتفاعاً سنوياً نسبياً بنسبة 1% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في إشارة إلى حركة تضخمية هادئة نسبياً على المستوى العام، لكنها تخفي خلفها تباينات قطاعية واضحة تعكس اختلاف ديناميكيات العرض والتكلفة بين القطاعات الإنتاجية المختلفة. وبينما يظهر المؤشر في صورته الإجمالية وكأنه يسير ضمن نطاق مستقر، تكشف التفاصيل الداخلية عن ضغوط متفاوتة المصدر، تقودها بشكل أساسي الصناعة التحويلية وبعض الأنشطة الخدمية المرتبطة بالبنية التحتية.
الصناعة التحويلية السعودية كمحرك رئيسي لارتفاع المنتجين
تعتبر الصناعة التحويلية العامل الأكثر تأثيراً في الارتفاع السنوي للمؤشر، حيث سجلت زيادة بلغت 0.8%، لتؤكد استمرار دورها كمحدد رئيسي لاتجاهات الأسعار في قطاع الإنتاج. ويعكس هذا الارتفاع ضغوطاً تكاليفية داخل عدد من الأنشطة الصناعية، أبرزها المواد الكيميائية التي ارتفعت أسعارها بنسبة 2.6%، إلى جانب الفلزات القاعدية التي سجلت زيادة بلغت 3.1%، ومنتجات المعادن المشكلة التي ارتفعت بنسبة 3.2%.
الأكثر لفتاً للانتباه كان القفزة الحادة في أسعار صناعة الملبوسات بنسبة 8.8%، وهي زيادة توحي بوجود عوامل تكلفة أو تغيرات في سلاسل الإمداد أو الطلب، تختلف في طبيعتها عن التحركات الأكثر تدرجاً في باقي القطاعات الصناعية. هذا التفاوت يعكس أن الصناعة التحويلية ليست كتلة واحدة متجانسة، بل شبكة من الأنشطة التي تتحرك أسعارها وفق ديناميكيات مستقلة نسبياً.
اقرأ أيضاً: غاز للمدن الصناعية بنظام BOO: من الشركات؟ وما أثر ذلك على تكلفة الصناعة؟
تباين داخل القطاعات الإنتاجية
في المقابل، لم تسلك جميع الأنشطة الصناعية الاتجاه نفسه، إذ سجلت بعض القطاعات تراجعاً واضحاً في الأسعار. فقد انخفضت أسعار المنتجات النفطية المكررة بنسبة 0.4%، وهو تراجع يعكس غالباً ارتباط هذه المنتجات بتقلبات الأسواق العالمية للطاقة. كما انخفضت أسعار الورق ومنتجاته بنسبة 1.8%، والأثاث بنسبة 1.2%، والمشروبات بنسبة 0.2%.
أما على صعيد المنتجات الغذائية، فقد بقيت الأسعار شبه مستقرة مع ارتفاع طفيف لا يتجاوز 0.1%، ما يشير إلى حالة توازن بين العرض والطلب في هذا القطاع الحيوي، مقارنة بالقطاعات الصناعية الأكثر حساسية للتكاليف العالمية وأسعار المواد الخام.
بعيداً عن الصناعة التحويلية، برزت زيادات واضحة في بعض القطاعات الخدمية المرتبطة بالبنية التحتية. فقد ارتفعت أسعار إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء بنسبة 1%، في حين سجل قطاع المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ارتفاعاً قوياً بلغ 11.1%.
هذا الارتفاع الأخير يلفت الانتباه بشكل خاص، لأنه يشير إلى تحولات كبيرة في تكاليف التشغيل أو التسعير داخل قطاع بالغ الأهمية، وغالباً ما يكون ذا ارتباط مباشر بالسياسات التنظيمية والاستثمار في البنية التحتية أكثر من كونه انعكاساً مباشراً للطلب الاستهلاكي.
استقرار شهري يخفي حركة داخلية
وعلى أساس شهري، يبدو المشهد أكثر هدوءاً، حيث استقر مؤشر أسعار المنتجين خلال فبراير مقارنة بشهر يناير 2026 دون تغير يُذكر. لكن هذا الاستقرار الظاهري يخفي تحركات داخلية متباينة بين القطاعات.
فقد سجلت الصناعة التحويلية ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.1%، مدفوعة بزيادات في أسعار المنتجات النفطية المكررة بنسبة 0.2%، ومنتجات المعادن اللافلزية الأخرى بنسبة 0.5%، والفلزات القاعدية بنسبة 0.7%. في المقابل، بقيت قطاعات الكهرباء والمياه والغاز والبخار وإدارة النفايات عند مستويات مستقرة دون تغير ملحوظ.
هذا النوع من الاستقرار الكلي رغم التحركات الجزئية يعكس طبيعة المؤشرات الاقتصادية الكلية، التي قد تخفي تقلبات قطاعية مهمة لا تظهر إلا عند تفكيك البيانات إلى مكوناتها الأساسية.

