تحالف الرياض وإسلام أباد ليس وليد الصدفة، بل نتاج سبعة عقود من العلاقات الصادقة بين السعودية وباكستان. وضعت المملكة اللبنة الأولى للعلاقات مع باكستان منذ عام 1947 حين استقلت باكستان وكانت السعودية أول المعترفين بها، وهذه كانت البداية لترسيخ العلاقة ما بين البلدين. علاقات صادقة تاريخية واقتصادية آخرها اتفاق الدفاع المشترك. في مقالنا هذا سنرصد التعاون المشترك بين البلدين وصولاً للاتفاق الأخير مستعرضين عمق العلاقات ومتانتها. وهل ضربة الدوحة من وجهت بوصلة السعودية إلى باكستان… هل هناك مظلة نووية قادمة في مقتبل الأيام؟!
العلاقات التاريخية بين السعودية وباكستان
تعود هذه العلاقات إلى عام 1940، قبل استقلال باكستان بسبع سنوات، وكلّلت بالعام 1947 عند نيل إسلام أباد لاستقلالها. يشترك البلدان بالعديد من الروابط، منها الروابط الإسلامية، كما يجمع البلدين تعاون وثيق في قضايا الأمن الإقليمي، وتحديداً في وجه التهديدات المشتركة كالإرهاب والتطرف، فقد كانت باكستان جزء من التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي أعلنته المملكة عام 2015.
انعكاساً لعمق العلاقات بين البلدين، وكدلالة على صدقها ومكانتها، هناك العديد من الشوارع والمعالم داخل باكستان تحمل أسماء سعودية مهمة. منها شارع “فيصل آباد” تيمناً بالملك فيصل، وشارع “سعود آباد” في كراتشي نسبة للملك سعود.
بالمقابل، يعمل في السعودية ما يفوق 2 مليون باكستاني، ويصنفون من أكبر الجاليات في المملكة، حيث تمثل تحويلاتهم المالية جزءاً هاماً من إيرادات العملة الصعبة في باكستان.
اقرأ ايضاً: الشراكة السعودية الباكستانية… مرتكز أساسي في تحقيق الاستقرار والسلام في العالم
العلاقات الاقتصادية بين البلدين
لقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 111 مليار ريال سعودي (29.5 مليار دولار) خلال عشر سنوات، من عام 2003 حتى عام 2012، كان أعلاها عام 2011. بـ16.3 مليار ريال (4.3 مليار دولار)، وأدناها عام 2003 بقيمة 4.2 مليار ريال (1.1) مليار دولار.
أما في الوقت الحال، فقُدر حجم التبادل التجاري السعودي – الباكستاني نحو 80 مليار ريال (21.3 مليار دولار) خلال الأعوام الخمسة الماضية، في خطوة تفتح المجال لاستكشاف الفرص الكبيرة بين البلدين. هذا ما يتقاطع مع رؤية 2030 في المملكة التي تقود التحول الاقتصادي الكبير في البلاد خصوصاً أن الرياض وإسلام آباد تمتلكان مقومات اقتصادية ضخمة ومتنوعة وموقعين جغرافيين استراتيجيين.
كما سُجل تقدم لافت في العلاقات التجارية والاستثمارية بين السعودية وباكستان، التي شهدت نمواً كبيراً بنسبة 80% منذ 2016 حتى الآن، علاقات تجارية متينة مترجمة بوجود نحو ألفي شركة باكستانية مرخص لها للعمل في السعودية.
تجلت هذه العلاقات كذلك، من خلال إبرام وتوقيع 34 مذكرة تفاهم لأنشطة تجارية بقيمة 2.8 مليار دولار مؤخراً، كما تُناقش العديد من المقترحات في قطاعات مثل الطاقة والتعدين والزراعة وتنمية الموارد البشرية.
في العموم، هذه الأرقام تشير إلى إمكانية رفع التعاون المستقبلي بين البلدين، كما أن إسلام آباد بالمقابل تبدي رغبتها في زيادة التجارة مع السعودية، إلى جانب التزام السعودية باستثمار 5 مليارات دولار في باكستان. العلاقات بين البلدين وحجمها يلفت إلى أهمية الاستفادة من قوة كل دولة بما لديها من إمكانات في مجالات مختلفة.
اقرأ أيضاً: التطوير العسكري محور لقاءات سعودية باكستانية في الرياض
العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وإسلام اباد
في إطار العلاقات والود الدبلوماسي، سعى كل من البلدين لتطوير العلاقات التجارية والثقافية والدينية والسياسية والاستراتيجية منذ تأسيس باكستان في عام 1947. باكستان فَضلت تؤكد عمق علاقاتها مع المملكة في السياسة الخارجية وتؤكد دائماً على السعي لتطوير العلاقات الثنائية لتكون علاقتها أقوى من قبل مع السعودية.
بدورها تعتبر السعودية باكستان أقرب حلفائها من غير العرب وأقرب حليف من المسلمين. وفقاً لمركز بيو للدراسات أن 95% من الباكستانيين يفضلون السعودية ولا يرون فيها أي شي سلبي. باكستان تملك جيش يعتبر من أكبر الجيوش في العالم وأيضاً هي الدولة المسلمة الوحيدة التي تملك أسلحة نووية مما جعلها مميزة في نظر السعودية.
اتفاقية الدفاع المشترك: هل تذهب أبعد من تحالف ثنائي؟
كنا في مقال سابق قد أشرنا إلى اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، وناقشناه بمنحى أبعد من أن يكون توقيعاً بروتوكولياً، ورصدناه من لحظة الإعلان إلى خلفياتها وسياقاتها ومآلاتها.. والآن نعيد فتح الملف لنطرح سؤالاً: بعد ضربة الكيان الإسرائيلي لقطر، هل يعيد الخليج رسم توازناته.. والمملكة أول المتحركين؟!
لا يمكن عزل التحالف الدفاعي المشترك بين إسلام أباد والرياض عن التوترات الإقليمية، والأجواء المشحونة في الشرق الأوسط ككل. بعد ضربة قطر، ظهرت حاجة ماسة لمظلات أمنية متعددة تحمي الخليج العربي.. وكانت الخطوة الأولى من السعودية بتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان في 17 سبتمبر 2025.
إعادة تموضع استراتيجي لافت من المملكة، فالحسابات السعودية تتقاطع لبناء توازنات قوى في ظل تغير التوازنات الحالية على مستوى الشرق الأوسط والعالم ككل. العقلية السعودية غير كامنة ومستكينة بل مراقبة، سريعة وخاطفة.. من ملفات لبنان والعلاقات مع مصر والشرق الأوسط وصولاً للدعم السعودي لسوريا .. السعودية تراقب، تدرس، وتتحرك.
كانت ضربة قطر بمثابة الإنذار السريع للتحرك، فاتجهت المملكة لتحالف دفاع مشترك خدم مصالح الرياض وإسلام أباد في مجالات التدريب والتسليح والصناعات الدفاعية، ما يعزز قدرة البلدين على مواجهة التحديات الأمنية… وإطلاق رسائل إقليمية أن السعودية لاعب في المنطقة وليست تابع ولها خياراتها الخاصة بها.
فالانتقال من مظلة أمريكية بأسلحة متطورة لكن غير رادعة، إلى مظلة نووية رادعة ولها القدرة على فرض توازنات إقليمية.. ربما تغير وجه المنطقة. فما جاء في الوثيقة بالخط العريض يُلمح لما بين السطور، وقد جاء: ” أيّ (عدوان) على أي من البلدين يعتبر عدواناً عليهما معاً”. هذه اتفاقية دفاع شاملة تغطي جميع القدرات العسكرية للبلدين.
يُجمع الخبراء تقريباً على أن السعودية قد ضمنت “مظلة نووية” قد تمتد في نهاية المطاف إلى دول عربية أخرى. يشار أيضاً إلى أن أحكام الاتفاقية الجديدة أكثر صرامة من المادة الخامسة من معاهدة الناتو، إذ تنص على الدخول المباشر في الحرب من جانب الشريك دون أي “مشاورات مسبقة”. وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن الاتفاقية وُقعت مباشرةً بعد القمة العربية الإسلامية في الدوحة في 16 سبتمبر، حيث رُوج لنشاط مُحرك من القاهرة، لفكرة إنشاء “ناتو عربي” بـ”مركز مزدوج” يضم مصر والسعودية.
خيارات الردع الجماعي وأمن الخليج فرضتها ضربة الدوحة.. فقد خرقت الضربة خطوط استراتيجية ضربت الاستقرار الإقليمي، الذي لطالما قدمت نفسها أميركا أنها الضامن له.. ليستفيق الخليج من الصدمة ويتحرك سعودياً معلناً أن للجميع حساباته الخاصة وقواعده في اللعب.
فقد أوردت “واشنطن بوست” أن الضربة الإسرائيلية على الدوحة كانت: “هجوماً على الدبلوماسية بذاتها”، ما خلط الأوراق خليجياً وعمق المخاطر وأعاد ترتيب خطوات الردع الإقليمي. فخطوة السعودية قفزت خارج الاعتماد التقليدي على الحماية الغربية، في إشارة لافتة للتحول في العقيدة الأمنية للمملكة، التي على ما يبدو باتت تتجه وترنو لتنويع الشراكات من باب الضرورة الاستراتيجية الحتمية لا الخيارات التكتيكية المتغيرة.
عرض تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، معد من فريق شؤون الخليج، جاء فيه: أن “صفقة الدفاع مع باكستان تعكس تنويع الشراكات الأمنية للسعودية، وسط شكوك بشأن الاعتمادية الأميركية وتداعيات الهجمات الإسرائيلية إقليمياً”.
في سياق متصل، أكدت صحيفة “غارديان” عن مكاتب “رويترز” في دبي وإسلام آباد، أن “توقيع الاتفاق مع باكستان يعد مساراً لتعزيز الشراكة الدفاعية، بينما تتزايد هواجس خليجية من موثوقية المظلة الأميركية التقليدية”.
في السياق ذاته، أكدت وكالة “بلومبيرغ” عن “جون هيرسكوفيتز” و”فسيح منجي” أن “الاتفاق يرسخ شراكة أمنية طويلة، ويؤكد أنّ أي عدوان على دولة سيُعدّ عدوانا على الأخرى، مع تعزيز آليات الردع”. بهذا، تبدو باكستان شريكا مثالياً للسعودية في هذه المرحلة، لتحقق هذه الشراكة جمعاً بين الردع النووي، والخبرة العسكرية، والقدرة على المناورة في بيئة إقليمية معقدة ومشتعلة بين الحين والآخر في الوقت الحالي، مما يجعلها ركيزة أساسية في أي هندسة أمنية جديدة في الخليج.
السعودية تحركت أمنياً، معلنةً بشكل شبه واضح حسب التقديرات، أن الاعتماد الحصري على واشنطن لم يعد كافياً لضمان الأمن. التحولات الجيوسياسية المتسارعة تعصف بالمنطقة، والانفلات الإسرائيلي لا رادع له، والالتزام الأميركي متقلقل ومتراجع في الشرق الأوسط. كل تلك العوامل.. إشارات التقطتها المملكة وتحركت بعقلية أمنية براغماتية تؤكد دورها كدولة قوية ذات سيادة ومؤتمنة على أمن الخليج ككل ومدافعة عنه.

