يشكل الذهب الملاذ الآمن للكثير من المستثمرين والمواطنين العاديين على حد سواء. إلا أنه يعيش حالة من الترقب والضغط بعد التحركات الأخيرة التي جاءت نتيجة تأثير قوي من الدولار الأميركي وتوقعات أسعار الفائدة، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ سبعة أشهر.
بدأت القصة عندما استقرت أسعار الذهب أمس من مستويات ضعيفة لم يسجل مثلها منذ نوفمبر 2025، مع وصولها إلى أدنى نقطة خلال الجلسة قبل أن ترتفع بشكل بسيط لا يتجاوز 0.2%. ففي السوق الفورية، سجل الذهب حوالي 4022 دولاراً للأونصة، بينما تراجعت العقود الآجلة إلى حدود 4036 دولاراً للأونصة.
ورغم هذا التحرك البسيط للأعلى، فإن الصورة العامة ما زالت تشير إلى ضعف واضح، خاصة أن الذهب يتجه نحو تسجيل أسوأ أداء فصلي له منذ عام 2013. وخلال الشهر الحالي وحده، خسر الذهب أكثر من 11% من قيمته، مما يعني أنه يتعرض لضغوط كبيرة خلال هذه الفترة.
الدولار والفائدة… السبب الأساسي وراء التراجع
لفهم ما يحدث للذهب، يجب النظر إلى ما يجري في الاقتصاد الأميركي. فالدولار الأميركي مستمر في الارتفاع، وهذا وحده يكفي ليضغط على أسعار الذهب عالمياً. والسبب الآخر هو توقعات الأسواق بأن البنك المركزي الأمريكي، قد يتجه إلى رفع أسعار الفائدة من جديد لمواجهة التضخم.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية، فعندما ترتفع الفائدة، يصبح الاستثمار في أدوات مالية مثل السندات جذابة بشكل أكثر، لأن عائدها يصبح أعلى. بينما الذهب لا يعطي عائداً، لذلك يفقد جزءاً من جاذبيته. ولذلك يعيد الكثير من المستثمرين التفكير في مراكزهم، ويبتعدون تدريجياً عن الذهب في الوقت الحالي.
تغير سلوك المستثمرين وحالة الحذر في الأسواق
ما يلفت الانتباه ليس فقط تراجع الأسعار، بل أيضاً طريقة تصرف المستثمرين نفسها. فبحسب محللين في Saxo Bank، هناك تحول واضح في السلوك، فبدلاً من شراء الذهب عند انخفاضه كما كان يحدث في السنوات الماضية، أصبح كثير من المتداولين يفضلون البيع عند أي ارتفاع بسيط. وهذا يدل أن هناك خلل في الثقة بحالة الذهب، عدا عن أن السوق لم يعد متأكداً من قدرة الذهب على العودة بسرعة.
كما يرى محللون آخرون أن السوق أصبح يتأثر بشكل كبير بأي أخبار تتعلق بسوق العمل الأميركي أو التضخم، مما يجعل الحركة اليومية للذهب أكثر تقلباً وحساسية. كما ينتظر المستثمرون بيانات التوظيف القادمة من مؤسسة ADP وبيانات الوظائف غير الزراعية، لأنها قد تحدد بشكل واضح اتجاه الفائدة القادمة.
إلى أين يتجه الذهب في المرحلة القادمة؟
رغم الضغوط الحالية، لا يزال هناك من يرى أن الصورة ليست سلبية بالكامل. فبعض المحللين يشيرون إلى أن الذهب ما زال يحاول التماسك قرب مستويات مهمة. حيث يرى خبير استراتيجي في شركة Pepperstone أن مستوى 3900 دولار يمثل دعماً مهماً للذهب في الوقت الحالي، أي أن السعر قد يجد عنده نوعاً من الاستقرار.
لكن إذا تم كسر هذا المستوى، فقد يتجه الذهب نحو سعر أقل، وقد تظهر مناطق جذب للمشترين قرب 3600 دولار. ورغم هذا التراجع، فإن الذهب لا يزال مرتبطاً بحالة التقلب في الاقتصاد العالمي، وهو ما قد يمنحه فرصة للعودة في حال تغيرت توقعات الفائدة أو ضعف الدولار.
في الختام، يبقى الذهب مهما تعرض لتغييرات ملاذاً آمناً لادخار الأموال. فالحكمة التجارية تقول أن السوق لا يبقى كما هو لفترة طويلة. فإذا تراجع الذهب اليوم، قد يكون غداً موعد الصعود.
اقرأ أيضاً: «تاسي» قبل قرار الفيدرالي: سوق سعودي ينتقي أسهمه ولا يثق بالمؤشر وحده!

