لا تزال المملكة العربية السعودية توسع حضورها العمراني، بالتزامن مع تنامي مشاريعها ومخططاتها السكنية والاستثمارية، حيث تسعى إلى رفع نسبة تملك المواطنين لمساكنهم إلى 70% بحلول 2030، فضلاً عن دعم القطاعات غير النفطية للاقتصاد الوطني.
ولكن على ما يبدو أن لتكاليف التشييد التي تتزايد في القطاعين السكني وغير السكني كلام آخر، فقد سجل مؤشر تكاليف البناء ارتفاعًا بنسبة 2.3% على أساس سنوي في يوليو 2026.
وفي هذا السياق، تُطرح عدة تساؤلات حول العوامل التي تقف وراء ارتفاع تكاليف البناء في السعودية، وإلى أي مدى قد ينعكس على أسعار العقارات؟
ارتفاع تكاليف البناء في السعودية
خلال شهر يوليو 2026، ارتفع الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية بنسبة 2.3%، وذلك بالمقارنة مع الفترة ذاتها من العام السابق، نتيجةً للضغط من تكاليف القطاعين السكني وغير السكني، فيما استقر على أساس شهري، وفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء.
فقد أشارتِ الهيئة إلى ارتفاع تكاليف البناء في السعودية، والذي شمل كلاً من القطاعين السكني وغير السكني، بنسبة 2.2% و2.6% على التوالي، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، بناءً على هذه الأرقام، نجد أن تكاليف البناء في القطاع غير السكني ازدادت بنسبة أكبر مقارنةً بالسكني، بفارق 0.4 نقطة مئوية.
العمالة والمعدات عاملان رئيسيان للارتفاع
وفقاً للبيانات الرسمية، فإن الأسباب الرئيسية لارتفاع الرقم القياسي على أساس سنوي، تعود إلى زيادة التكاليف المرتبطة باستئجار معدات البناء والآلات بنسبة 4.2%، وذلك نتيجةً لارتفاع تكلفة استئجار المعدات والآلات مع مشغلين بنسبة 5.7%.
بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف العمالة بنحو 1.4%، إلى جانب زيادة أسعار الطاقة بنحو 3.0%، وهذا ما يؤثر بشكل مباشر على تكاليف تشغيل وتنفيذ مشاريع البناء، ومع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، فإن التكاليف ترتفع على المستوى العالمي وليس المحلي فقط، لا سيما بالنسبة للطاقة.
كذلك ذكرت الهيئة أن تكلفة المواد الأساسية للبناء أيضاً ارتفعت بنسبة 1.8%، حيث صعدت أسعار النجارة والخشب بنسبة 3.9%، كما شهدت بقية أسعار مواد البناء ازدياداً بنسبة 2.8%.
القطاع غير السكني يرتفع بشكل أكبر
من جهة أخرى، شهدت تكاليف تشييد القطاع غير السكني ارتفاعاً أكبر من السكني، حيث سجل الرقم القياسي لتكلفة البناء زيادةً سنويةً بنسبة 2.6%، وذلك بالمقارنة بالفترة المماثلة من عام 2025.
وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بزيادة التكاليف المرتبطة باستئجار المعدات والآلات بنحو 5.8%، وذلك نتيجةً لارتفاع تكاليف استئجار المعدات والآلات مع المشغلين، حيث سجلت زيادةً بنسبة 7.3%، فضلاً عن ارتفاع تكاليف العمالة بواقع 1.8%.
كما ارتفعت تكاليف الطاقة بواقع 3.0%، إلى جانب تكاليف مواد البناء الأساسية التي شهدت زيادةً بنسبة 1.8%، فقد صعدت أسعار الخشب والنجارة بمقدار 2.5%، أما بقية المواد الأخرى فقد سجلت زيادةً بنسبة 4.0%.
استقرار على أساس شهري
على الرغم من ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية على أساس سنوي، فإن هذا الرقم شهد استقراراً على أساس شهري، حيث استقر خلال شهر يوليو 2026 مقارنة بشهر يونيو من العام ذاته، وذلك بسبب استقرار التكاليف المرتبطة بتشييد القطاعين السكني وغير السكني على أساس شهري.
وبالعودة إلى الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية الذي سجله شهر يونيو 2026، يتبين أنه ارتفع بنسبة 2.7% مقارنةً بالشهر ذاته من عام 2025، أي أن ارتفاع تكاليف البناء في السعودية تباطأ بشهر يوليو مقارنةً بالشهر السابق.
علاوة على ذلك، سجل الرقم القياسي لتكاليف البناء 104.0 نقطة في شهر يونيو الماضي حسب سنة الأساس 2023، وذلك مقارنةً بنحو 101.2 نقطة في يونيو من عام 2025، وكانت الهيئة عزت هذا الارتفاع أيضاً إلى زيادة تكاليف البناء في كلٍّ من القطاعين السكني بنسبة 2.6%، وغير السكني بنسبة 3.1%.
هل يؤثر ذلك على أسعار العقارات؟
مع استهداف المملكة الوصول إلى 70% من تملك السعوديين لمنازلهم بحلول 2030، قد يشكل ارتفاع تكاليف البناء ضغطاً إضافياً على سوق الإسكان، فمن الممكن أن تنتقل هذه الزيادة بالتدريج إلى أسعار الوحدات السكنية.
وهذا ما يؤكده الخبير في العقارات محمد الحماد، حيث يشير إلى أن المقاولين يتجهون إلى إعادة تسعير المشاريع بشكل أسرع من السابق، آخذين في الحسبان تقلب أسعار مواد البناء والخدمات التشغيلية.
كما تحدث الحماد عبر لقاء صحفي عن العقود الجديدة، التي أصبحت اليوم تتضمن هامش أمان أكبر، بغية تغطية أي زيادات مستقبلية في التكاليف، وهذا ما يؤثر في النهاية على أسعار المساكن النهائية.
التوترات الجيوسياسية لها دور في الارتفاع
وبحسب تقرير Stonehaven لتكاليف التشييد، بلغ المؤشر في السعودية 110.47 خلال الفترة من 2 إلى 10 أغسطس 2026، أي أعلى بنسبة 10.47% من خط الأساس البالغ 100 في سبتمبر عام 2025، مشيراً إلى أن التوترات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر ترفع تكاليف الشحن والتأمين للمواد المستوردة، وهذا ما يزيد من تكلفة عدد من مدخلات التشييد في السعودية.
كما تحدث التقرير عن تأخر وصول شحنات نتيجةً للأوضاع المتذبذبة، حيث تحولت الشحنات إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهذا ما يضيف نحو 10 إلى 14 يوماً إلى زمن وصولها إلى الموانئ السعودية والإماراتية، لتبدأ معها حكايات أخرى من الغلاء والانتظار، من ارتفاع تكاليف النقل المُحتمل أو تأخر وصول المواد.
إذاً، ارتفاع تكاليف البناء في السعودية يأتي بالتزامن مع توسع القطاع العقاري والإنشائي، فقد بلغ عدد المنشآت العاملة فيهما أكثر من 370 ألف منشأة، مسجلاً نمواً بنسبة 134% خلال 5 سنوات منذ 2021، وهذا إن دلّ على شيء فهو مؤشر على ارتفاع الطلب على مواد البناء والطاقة والعمالة وغيرها من الخدمات التشغيلية.
ومع استمرار الضغط الذي تعكسه تكاليف العمالة والمعدات والطاقة والمواد الأساسية، إلى جانب تأثير اضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية، يبدو أن هناك تحديات متعددة أمام المطورين والمقاولين، والتي من المحتمل أن تنعكس بالتدريج على أسعار وتكلفة تطوير الوحدات السكنية، وهو ما يبقي التساؤل مفتوحاً: هل تنجح السوق العقارية السعودية في استيعاب ارتفاع تكاليف البناء، أم سيجد المشترون أنفسهم أمام مساكن أكثر كلفة خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضاً: هل يخفض مقترح إلغاء رسوم العمالة الوافدة في البناء أسعار العقارات؟

