تتحرك السعودية في ملف التمويل ببراغماتية، فالطموح وحده لا يدفع الفواتير. خطط التحول الاقتصادي تحتاج إنفاقاً مستمراً، وتريد الدولة إبقاء كلفة الدين تحت السيطرة وتوزيع المخاطر. لهذا يلفت الانتباه ما حملته خطة الاقتراض لعام 2026: جزء كبير من التمويل لن يأتي عبر القنوات التقليدية وحدها، بل عبر توسيع مساحة الشراكة مع القطاع الخاص، وبأدوات تربط التمويل بالمشروع وتدفقاته.
تمويل المشاريع من السوق الخاص
تقدّر الخطة الاحتياجات التمويلية لعام 2026 بنحو 217 مليار ريال، لتغطية عجز متوقع يقارب 165 مليار ريال، مع سداد أصل دين مستحق بنحو 52 مليار ريال. الأهم هو مزيج التمويل: سوق الدين المحلية مرشحة للمساهمة بنحو 20% إلى 30%، والأسواق الدولية بنحو 25% إلى 30%، بينما يُتوقع أن يساهم القطاع الخاص بما يصل إلى 50% من المزيج. ويبرز تمويل المشاريع من السوق الخاص لأنه يسمح بتمويل أجزاء من البنية التحتية والمشاريع دون تحميل الميزانية وحدها ثقل السيولة.
لماذا يتغير مزيج التمويل
السبب الأول مرتبط بإدارة المخاطر. الاعتماد على قناة واحدة يجعل التمويل أكثر حساسية لتقلبات أسعار النفط أو تشدد السيولة العالمية. تنويع القنوات يمنح مرونة في الآجال. السبب الثاني يتعلق بتطوير السوق المحلية: عندما تتوسع إصدارات الصكوك والسندات ويُعلن تقويمها بوضوح، تتحسن تسعيرات العائد وتكبر قاعدة المستثمرين.
السبب الثالث عملي ومباشر: تمويل المشاريع من السوق الخاص يخفف الضغط عن البنوك المحلية، ما يترك حيزاً أكبر لتمويل الشركات المتوسطة وسلاسل الإمداد، وهي قطاعات تحتاج ائتماناً مستداماً، لأن الاقتصاد المتنوع يقوم على تمويل طويل النفس لا على قفزات موسمية.
أدوات بديلة تقلل المخاطر
الحديث عن “السوق الخاص” لا يعني صندوقاً واحداً، بل مجموعة آليات. الخطة تشير إلى التوسع في التمويل الحكومي البديل عبر تمويل المشاريع وتمويل البنى التحتية والاستفادة من وكالات ائتمان الصادرات، إضافة إلى السندات والصكوك والقروض ضمن أطر لإدارة المخاطر. هذا النوع من التمويل يركز على جدوى المشروع وعقوده، ويعتمد على توزيع المخاطر بين جهات متعددة.
عندما يُبنى التمويل على تدفقات مشروع محدد، يصبح تمويل المشاريع من السوق الخاص أقرب إلى شراكة تمويلية تشغيلية، لا ديناً قصير الأجل يثقل الجداول المالية للدولة. كما يفتح المجال لإدخال خبرات تشغيلية ومعايير أداء تربط الدفع بنتائج قابلة للقياس.
أين تقع البنوك الآن
التحول نحو تمويل المشاريع من السوق الخاص لا يلغي دور البنوك، بل يعيد تعريفه. يمكن للبنوك أن تقود مرحلة الإنشاء، ثم يُعاد تمويل المشروع بعد التشغيل عبر أدوات أطول أجلاً يشارك فيها مستثمرون. كما يمكن أن تظهر قروض مشتركة أو هياكل هجينة تجمع بين تمويل مصرفي وتمويل غير مصرفي.
وتشير بيانات «ستاندرد آند بورز» إلى أن مساهمة الائتمان الخاص لا تتجاوز 2% من رصيد الدين، لكنه نما عشرة أضعاف منذ 2020 ليصل إلى 3.7 مليار دولار في 2024. تحليلات تتناول التمويل الخاص في السعودية تشير إلى أنه ما زال يشكل نسبة صغيرة من إجمالي الدين، لكنه نما بسرعة في السنوات الأخيرة، ما يعني أن السوق في طور بناء الخبرة وثقة المستثمرين، وأن المنافسة ستكون على الجودة والشفافية لا على الحجم وحده.
شروط نجاح الرهان الجديد
نجاح هذا المسار يعتمد على تفاصيل يومية أكثر من العناوين. المطلوب مسار واضح للمشاريع المطروحة، ومعايير طرح وتعاقد يمكن للممولين تسعيرها بوضوح، لأن الغموض يترجم فوراً إلى فائدة أعلى.
ويحتاج أيضاً إلى بيئة تنظيمية تحمي الحقوق وتسرّع فض النزاعات، لأن تأخر التنفيذ يرفع كلفة تمويل المشاريع من السوق الخاص حتى لو كانت الفكرة ممتازة. ثم تأتي إدارة الدين: الموازنة بين المحلي والدولي، وبين العام والخاص، حتى يبقى التنويع مفهوماً مالياً لا مجرد تنقل بين مصادر مختلفة. عندما يستقيم هذا الإطار، ينعكس الأثر على المواطن عبر خدمات أسرع وفرص عمل أوسع، شرط أن تبقى الكلفة تحت رقابة.
اقرأ أيضاً: شركات التمويل العقاري المعتمدة من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي “ساما”

