الإنفاق العسكري ليس رقماً في الميزانية فحسب، بل مسار اقتصادي وتقني يتحدد أثره بحسب أين تُصرف العقود وأي قدرات تُبنى خلفها. فعندما يتحول جزء من الإنفاق إلى الداخل، تظهر النتائج في سلاسل التوريد والوظائف ونقل المعرفة. لهذا تضع السعودية هدفاً لتوسيع المحتوى المحلي في مشترياتها الدفاعية. غير أن أي نسبة مستهدفة لا تتحقق بالنية وحدها، بل بحوكمة شراء ومعايير قياس ومسؤوليات موزعة بدقة بين من يطلب ومن ينظم ومن ينتج ومن يختبر.
توطين الإنفاق العسكري حتى 2030
تعلن الهيئة العامة للصناعات العسكرية أن نسبة توطين الإنفاق العسكري بلغت 24.89% بنهاية 2024، مع استمرار استهداف تجاوز 50% بحلول 2030. وفي بيان سابق أوضحت الهيئة أن النسبة كانت 4% في 2018 قبل أن تصل إلى 19.35%، مع ارتفاع عدد المنشآت المرخصة إلى 296 حتى الربع الثالث من 2024. الفارق بين هذه المحطات يوحي بأن الطريق أقرب إلى تراكم قرارات صغيرة، مثل توسيع مشتريات الصيانة والإسناد وتوطين أجزاء من سلاسل الإمداد، وصولاً إلى منتجات وخدمات أعلى تعقيداً.
حوكمة الشراء وتوزيع الأدوار
الحديث عن “من يملك طريق التنفيذ” يبدأ من جهة تملك أدوات التنظيم وتؤثر في نمط الشراء الحكومي. الهيئة العامة للصناعات العسكرية تصف على موقعها دورها في تنظيم وترخيص وتطوير القطاع، وتعرض محور الاستحواذ الدفاعي بوصفه عملاً يركز على رفع كفاءة المشتريات وترتيب الأولويات ودعم المصنعين المحليين بالتنسيق مع الجهات المستفيدة في المنظومة العسكرية والأمنية.
في المقابل تبقى الجهات المشغلة مسؤولة عن تعريف الاحتياج ومعايير القبول والجاهزية وإدارة دورة الحياة، لأن ما يتم شراؤه يجب أن يعمل في الميدان قبل أن يُعتمد ويُوسَّع نطاقه في عقود لاحقة.
سلاسل توريد وشراكات تقنية
توطين الإنفاق العسكري يتقدم حين تصبح سلسلة الإمداد محلية وقابلة للاستمرار، لا حين يقتصر الأمر على تجميع نهائي. الهيئة تربط التقدم بتطوير الأطر التنظيمية وبناء سلاسل توريد، وبالشراكات الدولية التي تنقل تقنيات وتوطن قدرات صناعية داخل المملكة.
وفي قراءة استشارية ترى PwC أن تأسيس الهيئة جاء للإشراف والتنظيم والتمكين، بينما تأسست الشركة السعودية للصناعات العسكرية في 2017 لتكون “بطلاً وطنياً” يدفع الأهداف الأكثر استراتيجية عبر شراكات ومشروعات تطوير. كما تذكر سامي على موقعها أنها شركة مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة تأسست في 2017، وأنها تسهم في الوصول إلى توطين 50% من إنفاق الدفاع ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
كوادر وطنية وبحث وتطوير
حتى مع توفر التمويل والشراكات، يبقى العنصر البشري شرطاً للتوسع. الهيئة تتحدث عن استراتيجية للموارد البشرية وإطلاق الأكاديمية الوطنية للصناعات العسكرية بطاقة تصل إلى 2000 طالب سنوياً، إضافة إلى برامج تدريب استفاد منها أكثر من 850 موظفاً في القطاع الخاص.
وهذه الخطوات تقلل فجوة المهارات، لكنها مرتبطة بتحديات أعمق مثل الاختبارات والاعتمادات والملكية الفكرية، وهي جوانب تحدد ما إذا كان توطين الإنفاق العسكري ينتج معرفة قابلة للتطوير أم يكتفي بتشغيل خطوط إنتاج مرتبطة بعقود قصيرة.
اقرأ أيضاً: أين وصل التقدم الصناعي والتكنولوجي في السعودية؟!
مؤشرات قياس ومخاطر تنفيذ
النجاح يحتاج تعريفاً دقيقاً لما يُحسب محلياً وكيف تُوزن المكونات المستوردة وما الذي يعنيه نقل التقنية عملياً. بعض الارتفاع في نسبة التوطين قد يأتي من خدمات صيانة وإسناد أو من منتجات أقل تعقيداً، بينما رفع النسبة بوتيرة مستقرة يتطلب انتقالاً تدريجياً نحو منتجات وخدمات أعلى قيمة.
من زاوية الاقتصاد الكلي تُظهر بيانات البنك الدولي المستندة إلى قاعدة بيانات SIPRI أن إنفاق السعودية العسكري بلغ 7.3% من الناتج في 2024. لذلك يصبح ضبط توطين الإنفاق العسكري ضرورياً لتفادي مخاطر ارتفاع الكلفة أو تعثر الجداول الزمنية أو تراجع الاعتمادية.
في المحصلة، لا توجد جهة واحدة تملك الطريق وحدها. الهيئة تنظم وتنسق المشتريات وتضع بيئة الترخيص والمعايير، والجهات المستفيدة تحدد الاحتياج وتختبر النتائج، وسامي وشركاؤها يحولون الطلب إلى مشاريع وقدرات وسلاسل توريد، بينما تؤمن منظومة التعليم والتدريب الكفاءات. حين تعمل هذه الأدوار كمنظومة واحدة، يصبح الانتقال من قرابة 25% إلى 50% بحلول 2030 أقرب إلى خطة قابلة للقياس بوضوح أكبر لا شعاراً مفتوحاً.
اقرأ أيضاً: موسم شتاء جدة التاريخية 2026: التاريخ يترجم رؤية 2030

