لا يتحرك الاقتصاد من المصانع وحدها. يتحرك أيضاً من مكاتب الشراء، ومن العقود التي تحدد المورد، ومن قرار صغير يختار منتجاً محلياً أو يستورد بديلاً جاهزاً. لهذا لا يبدو رفع توطين مهن المشتريات في السعودية إلى 70% مجرد إجراء وظيفي جديد. هو محاولة لوضع السعوديين في نقطة حساسة من دورة المال والإمداد، حيث تتشكل كلفة الشركات، وتتحدد فرص الموردين، ويتضح مقدار ما يبقى من القيمة داخل الاقتصاد.
القرار، بهذا المعنى، لا يخص شاغل وظيفة فقط. يخص سوق العمل، والمحتوى المحلي، وقدرة سلاسل الإمداد على أن تصبح أقل هشاشة وأكثر اتصالاً بالداخل. لكنه يفتح أيضاً سؤالاً عملياً لا يمكن تجاوزه: هل تستطيع الشركات تحويل النسبة الجديدة إلى معرفة ومهارة، أم ستتعامل معها كعبء امتثال إضافي؟
توطين المشتريات من النسبة إلى المهنة
دخل قرار رفع نسبة التوطين في مهن المشتريات بالقطاع الخاص إلى 70% حيز التطبيق في 31 أيار 2026، بحسب وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. ويشمل القرار المنشآت التي يعمل لديها ثلاثة عاملين فأكثر في المهن المستهدفة، ضمن اثنتي عشرة مهنة تمتد من مدير المشتريات ومندوب المشتريات ومدير العقود، إلى أخصائي المناقصات والتجارة الإلكترونية وأبحاث الأسواق والخدمات اللوجستية والمستودعات والتوريد للعلامات التجارية الخاصة.
هذا التوسع في المهن المستهدفة يكشف طبيعة القرار. فالمشتريات لم تعد وظيفة خلفية محصورة في إصدار طلب أو مقارنة أسعار. هي وظيفة تقع بين الإدارة والتمويل والتشغيل، وتؤثر في اختيار المورد، وتقدير المخاطر، وجودة المنتج، واستمرارية الإمداد. لذلك فإن توطينها يذهب إلى منطقة أعمق من التوظيف العددي. إنه يضع كفاءات وطنية في موقع قرار داخل الشركات.
لكن هذا لا يلغي الصعوبة. فالشركات الكبرى تستطيع غالباً أن تعيد توزيع فرقها، وأن تفتح برامج تدريب، وأن تستقطب أصحاب الخبرة. أما المنشآت الصغيرة والمتوسطة فقد تواجه انتقالاً أكثر صعوبة. ليس لأن الوظائف غير قابلة للتوطين، بل لأن المشتريات الحديثة تحتاج إلى مهارات متراكبة: قراءة العقود، التفاوض، فهم السوق، تقييم الموردين، التعامل مع المنصات، وحساب الكلفة الكلية لا السعر المباشر فقط.
هنا يبدأ التمييز بين توطين شكلي وتوطين منتج. الأول يملأ الخانة. الثاني يبني مهنة. والفرق بينهما سيظهر سريعاً في جودة العقود، وفي قدرة الموظف السعودي على إدارة الموردين لا مجرد تمرير الطلبات.
سلاسل الإمداد حين تصبح محلية المعرفة
لا يأتي القرار منفصلاً عن مسار أوسع لتعزيز المحتوى المحلي. هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية أعلنت أن نسبة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية تجاوزت 51% بنهاية 2025، بعد أن كانت 28% في 2018. وفي تقرير الهيئة لعام 2024، جرى الحديث عن وصول تغطية أدوات المحتوى المحلي في المنافسات الحكومية إلى 94.07% من حيث القيمة، وعن إنفاق تشغيلي للشركاء الاستراتيجيين في القطاع الخاص بلغ 114 مليار ريال، بنسبة محتوى محلي قدرها 44.33%، أي ما يعادل نحو 50 مليار ريال.
هذه الأرقام تعني أن الدولة لا تنظر إلى المشتريات كعملية إنفاق عادية. تراها أداة توجيه اقتصادي. فالعقد الحكومي أو الخاص يمكن أن يشتري سلعة جاهزة، ويمكن في الوقت نفسه أن يخلق مورداً محلياً، أو ينقل تقنية، أو يفتح وظيفة، أو يبني قدرة إنتاجية داخل البلد.
تجربة أرامكو تقدم مثالاً واضحاً على هذا المنطق. فقد أعلنت الشركة في شباط 2026 أن برنامج تعزيز القيمة المضافة الإجمالية في المملكة، المعروف باسم اكتفاء، حقق هدف الوصول إلى 70% محتوى محلي في المشتريات، مع نية رفع النسبة إلى 75% بحلول 2030. وذكرت الشركة أن البرنامج أضاف 280 مليار دولار إلى الناتج المحلي، وجذب 9 مليارات دولار من الاستثمارات، وساهم في خلق أكثر من 200 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.
هذه تجربة لا يمكن تعميمها بالكامل على كل القطاعات. أرامكو تمتلك حجماً تفاوضياً وسلاسل إمداد خاصة وقدرة طويلة على التخطيط. لكنها توضح الفكرة الأساسية. توطين المشتريات لا ينجح حين يكون قراراً معزولاً داخل إدارة الموارد البشرية. ينجح حين يرتبط ببرنامج أوسع لبناء الموردين، وتحسين الجودة، وتدريب الكفاءات، وربط الإنفاق المحلي بهدف إنتاجي واضح.
الكلفة الأولى وسؤال العائد الأبعد
من الطبيعي أن يرفع القرار كلفة انتقالية على بعض الشركات. ستحتاج إلى تدريب، وربما إلى رفع الأجور في بعض المهن لجذب الكفاءات، وإلى إعادة ترتيب فرق المشتريات والعقود والمستودعات. وقد تجد قطاعات تعتمد على موردين خارجيين أو سلع تخصصية نفسها أمام حاجة إلى خبرة لا تُبنى في أشهر قليلة.
غير أن الكلفة الأولى لا تكفي للحكم على السياسة. السنوات الأخيرة أظهرت أن سلاسل الإمداد العالمية قد تتعطل بسرعة. الجائحة، وأزمات الشحن، وتوترات الطاقة، كلها ذكّرت الشركات بأن المورد الأبعد قد يكون أرخص في الفاتورة وأغلى عند الأزمة. لذلك يصبح وجود كوادر محلية تفهم السوق الداخلي، وتعرف الموردين، وتستطيع بناء بدائل، جزءاً من مرونة الاقتصاد لا بنداً في السعودة فقط.
يبقى الخطر في أن تتحول السياسة إلى امتثال ضيق. إذا تعاملت الشركات مع القرار كرقم يجب تحقيقه فقط، فقد تظهر حلول سطحية، ومسميات وظيفية لا تعكس عملاً حقيقياً، وتدريب محدود لا يصنع خبرة. أما إذا رُبط القرار بمسارات مهنية واضحة، وشهادات تخصصية، وبرامج تدريب في المفاوضات وإدارة العقود وسلاسل الإمداد، فسيصبح التوطين أداة لتطوير الوظيفة نفسها.
هناك شرط آخر. المحتوى المحلي لا يجب أن يعني قبول جودة أقل أو كلفة أعلى بلا سقف. المورد المحلي يحتاج إلى دعم وتطوير، لكنه يحتاج أيضاً إلى اختبار ومنافسة. فالهدف ليس نقل الإنفاق إلى الداخل مهما كان الثمن، بل جعل الداخل قادراً على المنافسة. وهذا لا يحدث إلا حين تعمل السياسات الثلاث معاً: توطين المهنة، وتطوير المورد، ورفع معايير الأداء.
الخلاصة أن توطين المشتريات إلى 70% يفتح باباً مهماً، لكنه لا يضمن النتيجة وحده. القرار يضع السعوديين في قلب وظيفة مؤثرة، ويمنح المحتوى المحلي أداة إضافية، ويدفع الشركات إلى إعادة التفكير في علاقاتها مع الموردين. لكن أثره الحقيقي سيُقاس بعد سنوات، عندما نرى إن كانت النسبة قد صنعت خبراء مشتريات وسلاسل إمداد أكثر مرونة، أم أنها بقيت رقماً ناجحاً في التقرير وأقل حضوراً في بنية السوق.
اقرأ أيضاً: رؤية 2030 وتمكين السعوديين.. التوطين الموسع في الهندسة والمشتريات

