تعمل الجامعات الحديثة اليوم على ربط تقدمها الأكاديمي والعلمي بأهداف التنمية المستدامة، كخطوة استراتيجية تتعدى حدود الحرم الجامعي، لتعزز دور المؤسسات التعليمية في إحداث أثر بيئي ومجتمعي مُستدام.
وإلى ذلك، يأتي تحقيق جامعة الملك فيصل المرتبة 35 عالمياً في تصنيف التايمز لتأثير الاستدامة «THE Sustainability Impact Ratings 2026» وتصدّرها الجامعات السعودية والخليجية، ليبرز نموذجاً عن تقدم قطاع التعليم العالي في المملكة العربية السعودية، ويمثل اعترافاً دولياً بتنامي حضورها في مؤشرات الاستدامة العالمية.
جامعة الملك فيصل تتقدم عالمياً
وفقاً لنتائج مؤسسة التايمز للتعليم العالي، تقدّمت جامعة الملك فيصل من المرتبة 99 التي حظيت بها خلال 2024 إلى المركز 35 على مستوى العالم في 2026، مما يشكل تطوراً لافتاً خلال فترة قصيرة نوعاً ما، وهو ما يعكس مدى التطور المتسارع لدور الجامعة التنموي إلى جانب تميزها الأكاديمي.
ويرتبط الإنجاز الجديد للجامعة بهويتها العلمية واهتماماتها البحثية التي تولي اهتماماً كبيراً بمجالات الأمن الغذائي والاستدامة البيئية، فهي تقع في منطقة الأحساء ذات المقومات الزراعية الاستراتيجية، لا سيما واحة النخيل والإرث الزراعي.
هذا الإنجاز الجديد، ينطلق من رسالة الجامعة نفسها التي تتمحور حول إنتاج المعرفة وإيجاد وتطوير الحلول للمشكلات التنموية، مع توجيه دفّة منظومتها الأكاديمية والابتكارية والبحثية نحو المجالات الأكثر مواءمةً مع احتياجات المجتمع ومتطلبات المرحلة المستقبلية.
فضلاً عن استنادها إلى طبيعة المنطقة الشرقية والأحساء، حيث تتميز هذه المنطقة بمقومات داعمة للمجلات ذات الأولوية على المستوى المحلي والعالمي، مثل الأمن الغذائي والاستدامة البيئية، وفقاً لتصريحات رئيس الجامعة عادل بن محمد أبو زناده.
ما هو تصنيف التايمز للجامعات؟
يمكن تعريف تصنيف التايمز لتأثير الاستدامة، بأنه أحد المؤشرات التي تقيس مدى مساهمة الجامعات في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDGs)، وهذا يعني أن الاستدامة أصبحت معياراً جديداً للتنافس بين الجامعات عالمياً.
وشملت تقييمات التايمز في دورتها لعام 2026 مؤسسات تعليمية من مختلف دول العالم، والتي يُقدر عددها بنحو 1603 مؤسسة، فيما تمحور التقييم حول الأثر الذي تلعبه الجهات المعنية في تعزيز التنمية البيئية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك من خلال التعليم الأكاديمي والبحوث العلمية والتعاون المؤسسي الفعال، بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه في خدمة المجتمعات.
إذاً، يمكن القول إن تقييمات التايمز تتقاطع مع الجهود المتواصلة للمملكة العربية السعودية في تحقيق التنمية الشاملة، من خلال تطوير الجامعات إلى جانب إطلاق المبادرات والمشاريع المتنوعة، التي تهدف بدورها إلى تحسين جودة حياة المواطنين وتحقيق معايير المدن الذكية، بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030.
أهداف تنموية
سجلت جامعة الملك فيصل حضوراً مميزاً بين أفضل 100 جامعة في العالم، من خلال تحقيقها 6 أهداف من أصل 17 هدفاً للتنمية المستدامة، وهي كالتالي:
- الهدف الأول: القضاء على الفقر ويقيس مدى مساهمة الجامعة في دعم الشرائح الأكثر احتياجاً
- الهدف الثاني: القضاء التام على الجوع ويرتبط هذا الهدف بمجال الأمن الغذائي والزراعة، وما يعنيها من دراسات وأبحاث.
- الهدف الرابع: التعليم الجيد
- الهدف السابع: طاقة نظيفة بأسعار معقولة
- الهدف التاسع: الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية
- الهدف العاشر: الحد من أوجه عدم المساواة
تحديات التنمية
تقدّمُ جامعة الملك فيصل يمكن أن يفتح المجال أمام تحويل المبادرات والأفكار إلى تطبيقات عملية لا مجرد نظريات، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تصنيف الاستدامة يعني أن التحديات انتهت؟ أم أن الجامعات السعودية ما زالت تواجه صعوبات في التطبيق؟
للإجابة عن هذا التساؤل لا بدّ من التطرق إلى نتائج دراسة منشورة في عام 2025، بعنوان: “تقييم استدامة الحرم الجامعي في الجامعات السعودية: وجهات نظر أعضاء هيئة التدريس والتحديات المؤسسية – دراسة حالة لثلاث جامعات رائدة”، حيث تسلط الضوء على تحديات تطبيق الاستدامة في الجامعات السعودية.
وقد أظهرت الدراسة أن وعي أعضاء الهيئة التدريسية بقضايا الاستدامة مرتفع، ولكن مشاركتهم في الأنشطة وصنع السياسات المرتبطة بها لا تزال محدودةً، حيث سجلت معدل 2.33 من 5 فقط.
كما بيّنت الدراسة أن الأداء المؤسسي في الجامعات السعودية بمجالات الاستدامة جاء دون مستوى التوقعات، وذلك وفقاً لتقييم المشاركين فيها، فقد سجل مجال التعلم والتدريس أدنى متوسط تقييم بدرجة 2.68، تبعه مجال البحث والتطوير بدرجة 2.89، تليه الحوكمة المؤسسية بدرجة 2.94، فيما حصلت القيادة الخارجية على درجة 3.01.
كما أثبتت الدراسة أن الجامعات العربية عموماً والسعودية خصوصاً تفتقر إلى التنفيذ الفعلي للاستراتيجيات التشغيلية، بالإضافة إلى حاجتها لصنّاع قرار وقادات يمتلكون خبرةً ومعرفةً كافيةً، لتحويل نظريات الاستدامة إلى ممارسات فعلية ضمن الجامعات، فرغم وجود عدة جامعات تتحدث عن هذا المجال وتطلق مبادراتها، إلا أن التطبيق على أرض الواقع يكون محدوداً.
بناءً على ما سبق، يعكس الإنجاز الجديد الذي حظيت به جامعة الملك فيصل، الجهود المتواصلة للقائمين عليها لتطوير مكانتها العالمية وتعزيز دورها التنموي والأكاديمي على حدٍّ سواء، ولكن التساؤل الذي يفرض نفسه: هل تنجح الجامعات السعودية في تخطي التحديات المتمحورة حول استراتيجيات التشغيل وتطبيق ممارسات الاستدامة بشكلها الصحيح والموسع؟
اقرأ أيضاً: التعليم ما بعد الثانوي في السعودية: لماذا بات النموذج السعودي محط إشادة دولية؟

