لا تزال الجامعات السعودية تثبت قدراتها التعليمية المميزة عبر طلابها المتفوقين والقادرين على المنافسة الخارجية في أي مجال، ففي كل مسابقة دولية، يكون اسم السعودية موجوداً في رأس القائمة بمراكز أولى يحصل عليها الطالب السعودي بكل كفاءة وجدارة.
وأكبر مثال على ذلك المشروع البحثي الذي قدمه طلاب كلية الهندسة في جامعة نجران، ونجح في تحقيق إنجاز دولي لافت، بعدما حصد المركز الأول في مسابقة أبحاث الطلاب الدولية 2025، ضمن أعمال المؤتمر الدولي الثاني حول المستقبل المرن، الذي استضافته جامعة جوس في نيجيريا.
فالمشروع الفائز انطلق من فكرة تطبيق الاستدامة والعمارة الخضراء المعتمدة على الطاقة النظيفة وتوفير المياه والكهرباء في مسجد الملك فهد في نجران، وناقش إمكانية تطويره وتحويله إلى مسجد أخضر ومستدام، يعتمد على مبادئ العمارة الخضراء ويستخدم موارده بطريقة أكثر كفاءة.
كيف يمكن أن يصبح مسجد الملك فهد أكثر استدامة؟
يحمل البحث عنوان “إمكانية تحويل مسجد الملك فهد بنجران إلى مسجد أخضر ومستدام”، وركز على الاستفادة من مبادئ العمارة الخضراء في تطوير المسجد.
والفكرة ببساطة تقوم على مبدأ العمارة الخضراء القادر على جعل المبنى منسجماً أكثر مع البيئة، مع تقليل استهلاكه للطاقة والمياه والموارد المختلفة، من دون أن يؤثر ذلك في وظيفته الأساسية أو راحة مستخدميه.
لذلك، بحث الطلاب في إمكانية تطوير المسجد ليكون أكثر كفاءة في استخدام موارده، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة والممارسات التي تتناسب مع مفهوم الاستدامة.
والنقطة المهمة في البحث أنه لم يتم التعامل مع المسجد باعتباره مبنى يمكن تطويره بأي طريقة، بل أخذ في الحسبان طبيعة البيئة المحلية في نجران. فالحلول التي تناسب مدينة معينة قد لا تكون مناسبة بالضرورة لمدينة أخرى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمناخ ودرجات الحرارة واستهلاك الطاقة والمياه.
وهذا ما دفع القائمين على المشروع إلى الجمع بين مبادئ العمارة الخضراء والظروف المحلية، للوصول إلى نموذج هندسي يمكن البناء عليه مستقبلاً عند تطوير المساجد ودور العبادة. وبالتالي، الهدف النهائي هو رفع كفاءة استهلاك الطاقة والمياه، وتحسين طريقة تشغيل المبنى، مع تقديم تصور يمكن الاستفادة منه في مشروعات مشابهة.
من مقاعد الجامعة إلى منصة دولية
من الممكن القول إن أهم نقطة في المشروع أنه بحث طلابي، وصل إلى منصة علمية دولية ونافس أبحاثاً أخرى ضمن مؤتمر متخصص في المستقبل المرن.
وحصل المشروع على المركز الأول في المسابقة، وهذا ما أثبت أن طلاب جامعة نجران قادرون على تقديم أفكار مرتبطة بمشكلات واقعية، وليس فقط أبحاثاً نظرية تبقى داخل القاعات الدراسية.
كما أشاد منظمو المؤتمر ولجان التقييم بالمشروع، خصوصاً بسبب قدرته على الربط بين الابتكار العلمي والاحتياجات البيئية والمجتمعية. وهذا الربط مهم جداً، لأنه عندما يستطيع البحث العلمي التعامل مع احتياج حقيقي في المجتمع، يصبح من الأسهل التفكير في إمكانية تحويل نتائجه إلى حلول عملية.
بالإضافة إلى السابق، يعكس المشروع حجم الاهتمام الذي توليه جامعة نجران لطلابها من خلال مشاركتهم في المسابقات والمنصات العلمية الدولية، وإتاحة الفرصة أمامهم لعرض أفكارهم أمام متخصصين من دول مختلفة.
ويأتي هذا الفوز ضمن سلسلة من النجاحات البحثية للجامعة، التي نجحت أيضاً في الحصول على براءة اختراع أمريكية لابتكار كبسولة دوائية متطورة تسهم في تطوير تقنيات الطب الشخصي.
إنجاز يواكب توجه المملكة نحو الاستدامة
لا يمكن النظر إلى مشروع المسجد الأخضر على اعتبار أنه إنجاز منفصل عن التوجهات الجديدة للمملكة في قطاع الاستدامة، فرفع كفاءة استخدام الطاقة والمياه، وتقليل استهلاك الموارد، وتطوير المباني بما يتناسب مع البيئة، أصبحت جميعها جزءاً مهماً من النقاش حول مستقبل المدن والمباني.
ومن هذه الزاوية، ينسجم المشروع مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في مجال الاستدامة البيئية والابتكار، كما يقدم نموذجاً يمكن أن يفتح الباب أمام التفكير في تطوير مبانٍ قائمة بدلاً من الاقتصار على إنشاء مبانٍ جديدة.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه التعليم العالي السعودي حضوراً متزايداً على المستوى العالمي، إذ ضم تصنيف كيو إس العالمي للجامعات 2027 نحو 22 جامعة سعودية ضمن قائمة أفضل الجامعات عالمياً.
باختصار، حصول طلاب جامعة نجران على المركز الأول في مسابقة دولية يعد إنجازاً جديداً يمكن إضافته لسجلها الأكاديمي، فالفكرة التي تطور المكان وفي الوقت نفسه تحافظ فيه على روحه تعد فكرة ذكية.
اقرأ أيضاً: المملكة تعزز استعادة الأراضي المتدهورة وتحصد الجوائز

