لم تعد جدة التاريخية مجرد وجهة للزوار لاستكشاف المعالم الأثرية والأزقة القديمة. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المدينة مركزاً للتفاعل بين الثقافة والاقتصاد، حيث تعاد الحرف اليدوية التقليدية إلى الواجهة كمصدر للتنمية، قادرة على خلق فرص عمل وتعزيز الهوية الوطنية. ويعكس هذا التطور توجهاً أوسع في المملكة العربية السعودية نحو الاستثمار في الصناعات الثقافية وتحويل التراث إلى عنصر فاعل في التنمية، بدلًا من كونه مجرد إرث محفوظ في المتاحف.
من الحرف اليدوية التقليدية إلى المنتجات الاقتصادية
شهدت الحرف اليدوية في المملكة العربية السعودية تحولاً ملحوظاً في مفهومها ودورها. فبعد عقود من ارتباطها بالاستخدامات اليومية أو الصناعات المحلية المحدودة، أصبحت اليوم جزءاً من قطاع الاقتصاد الإبداعي، الذي يركز على تحويل التراث الثقافي إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وسياحية.
وفي جدة التاريخية، يتجسد هذا التحول في متاجر ومبادرات تعرض منتجات مستوحاة من العمارة الحجازية والبيئة المحلية، ولكن بتصاميم عصرية تناسب الأسواق الحديثة. يُتيح هذا للحرف اليدوية التقليدية فرصة الوصول إلى شرائح جديدة من المستهلكين، داخل المملكة وخارجها.
لماذا وقع الاختيار على جدة التاريخية لهذه المهمة؟
لا يقتصر الأمر على قيمتها السياحية فحسب، بل لأنها تعتبر من أهم المواقع التي احتضنت الحرف اليدوية التقليدية في منطقة الحجاز على مدى مئات السنين. فقد ارتبطت أسواق جدة التاريخية بالنجارة والنقش والتشكيل المعدني والنسيج وغيرها من الحرف التي نشأت لخدمة الأنشطة التجارية والبحرية التي اشتهرت بها المدينة. مع إدراج جدة التاريخية على قائمة التراث العالمي، تكثفت الجهود المبذولة للحفاظ على هويتها المعمارية، إلى جانب إحياء المهن التي كانت جزءاً من الحياة اليومية فيها، وذلك في سبيل صون التراث المادي وغير المادي.
الحرف اليدوية كجزء من رؤية 2030
يتماشى التركيز على الحرف اليدوية الوطنية مع أهداف رؤية المملكة 2030، التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وزيادة مساهمة القطاعات الثقافية في الاقتصاد الوطني. ولا يقتصر هذا النهج على الحفاظ على التراث الشعبي فحسب، بل يشمل أيضاً دعم الحرفيين، وتطوير جودة المنتجات، وتعزيز القدرة التنافسية، وربطهم بقطاعي السياحة والتجزئة، مما يخلق فرصاً اقتصادية جديدة ويعزز المحتوى المحلي.
يتيح دمج الحرف اليدوية التقليدية في الوجهات السياحية للزوار تجربة تتجاوز مجرد مشاهدة المواقع التاريخية، إذ تمكنهم من التعرف على المهارات التي شكلت هوية المكان عبر الأجيال.
اقرأ أيضاً: واقع الحرف اليدوية في السعودية..إبداع مميز ودعم حكومي
الزوار… تجربة تتجاوز التسوق
يعتقد العديد من زوار جدة التاريخية أن شراء منتج مصنوع يدوياً له قيمة مختلفة عن شراء سلعة عادية. قال زائر من الرياض إن أكثر ما أثار إعجابه هو ارتباط المنتجات المعروضة بتاريخ المنطقة، إذ اعتبر كل قطعة “قصة قبل أن تكون مجرد تذكار”.
وقال سائح من منطقة الخليج إن تنوع الحرف والتصاميم يعكس ثراء الثقافة السعودية، مشيراً إلى أن المنتجات تجمع بين الطابع التراثي والحرفية العالية، مما يجعلها مناسبة للاستخدام اليومي وكهدايا. وأوضح أحد الحرفيين المشاركين في معرض المنتجات أن الاهتمام المتزايد بالحرف التقليدية ساهم في توسيع قاعدة العملاء وشجع المزيد من الشباب على تعلم الحرف التي كانت مهددة بالاندثار قبل بضع سنوات فقط.
التراث كفرصة للمستقبل في المملكة
تظهر تجربة جدة التاريخية أن الحفاظ على التراث لم يعد يقتصر على ترميم المعالم التاريخية، بل يشمل أيضاً حماية المهارات المتأصلة فيها ومنحها دوراً اقتصادياً يتماشى مع متطلبات العصر الحديث. أي فن رائج اليوم في أزقة هذه المنطقة التاريخية يمثل امتداداً لذاكرة هذا المكان، وفرصة استثمارية في الوقت نفسه تدعم الاقتصاد الإبداعي وتعزز حضور المنتجات السعودية في الأسواق المحلية والعالمية.
وتعتبر جدة التاريخية، من خلال مراعاة أصالة الماضي واستخدام أدوات الحاضر، نموذجاً يحتذى به في تسخير الثقافة من أجل التنمية، وتحويل الحرف اليدوية من تراث تقليدي إلى صناعة ذات قيمة اقتصادية، مما يساهم في تعزيز الهوية الوطنية، ويقدم صورة عصرية للتراث السعودي للعالم.

