تتغير استراتيجيات ووسائل الحروب بين الماضي والحاضر، فعلى الرغم من بقاء السلاح العسكري كأساس لهذه الحروب، إلا أن التكنولوجيا دخلت على الخط لتغير الموازين بقوتها الناعمة، ولتكون أدوات غير مرئية تناور عليها الإطؤاف المتحاربة. وقد امتدت هذه الأدوات إلى الفضاء الإلكتروني والموجات الكهرومغناطيسية. ومن خلال متابعة الحرب الإيرانية الأمريكية تبرز هذه الحرب غير المرئية من خلال التشويش على أنظمة تحديد المواقع، الذي أصبحت يشكل تهديداً حقيقياً لحركة الملاحة الجوية والبحرية على حد سواء.
فقد رصدت محللة الاستخبارات البحرية ميشيل ويز بوكمان مئات السفن المتجمعة بشكل غير طبيعي في خرائط الملاحة قرب مضيق هرمز. حيث لم تكن تلك السفن في مواقعها الحقيقية، بل ظهرت على شكل دوائر متقنة، وبعضها فوق اليابسة، في مشهد يثير الدهشة والقلق. وكان التفسير واضحاً أن هناك تلاعب متعمد بإشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، مما أدى إلى إخفاء المواقع الحقيقية للسفن.
التشويش الإلكتروني وتأثيره على الملاحة
تعتمد السفن بشكل كبير على نظام التعرف الآلي (AIS) لتحديد مواقعها وعدم الاصطدام ببعضها البعض. لكن عندما يتم التشويش على إشارات GPS، تصبح هذه الأنظمة غير موثوقة، ما يخلق حالة من “العمى الملاحي” كما تسميه الخبيرة بوكمان. في مثل هذه الظروف، لا تكمن المشكلة فقط في عدم معرفة موقع السفينة، بل في عدم القدرة على تحديد مواقع السفن الأخرى أيضاً.
وتزداد خطورة هذا الوضع في المناطق المزدحمة مثل مضيق هرمز، حيث تمر ناقلات نفط عملاقة تحتاج إلى مسافات طويلة لتغيير مسارها أو التوقف. ومع ضعف الرؤية أو خلال الليل، يمكن أن يؤدي أي خلل في تحديد المواقع إلى حوادث كارثية.
وبالنظر إلى الحروب الأخيرة في السنوات الماضية، سنجد أن التشويش على GPS أصبحت ظاهرة منتشرة في النزاعات العسكرية. فقد تم رصدها في مناطق متعددة، من أوروبا إلى أوكرانيا، وها هي اليوم تظهر من جديد في الشرق الأوسط. ويشير محللون إلى أن هذا النوع من الحرب الإلكترونية أصبحت جزءاً من أساليب الدفاع والهجوم للدول.
سباق التقنيات: بين التشويش والحماية
ومع تزايد هذا التهديد أصبحت الشركات والمؤسسات في سباق لتطوير حلول تقلل من تأثير التشويش. من بين هذه الحلول، أنظمة قادرة على اكتشاف التداخل تلقائياً والتحول إلى ترددات بديلة، أو استخدام تقنيات متعددة لتحديد الموقع دون الاعتماد الكامل على GPS.
كما ظهرت تقنيات مبتكرة تعتمد على أجهزة الاستشعار الداخلية مثل الجيروسكوبات ومقاييس التسارع، أو حتى تحليل الصور ومطابقتها مع بيانات الأقمار الصناعية. وهناك محاولات لاستخدام النجوم كمرجع لتحديد الموقع، بالرغم من كونها طريقة غير دقيقة.
بينما تمتلك الجيوش أنظمة أكثر تطوراً ومناعة ضد التشويش، مثل النسخ المشفرة من GPS، وهذا ما يظهر حجم التفاوت بين القدرات العسكرية والمدنية في هذا المجال.
وبالرغم من هذه الجهود يبقى التحدي قائماً، إذ إن إشارات GPS ضعيفة بطبيعتها، مما يجعلها معرضة للتشويش بسهولة. ومع تزايد الاعتماد على هذه الأنظمة في مختلف القطاعات، يصبح إيجاد بدائل موثوقة أمراً ضرورياً وليس خياراً.
في الختام، مع تكرر ظاهرة التشويش على أنظمة تحديد المواقع أصبح من الضروري إيجاد بيئة إلكترونية مقاومة للتهديدات، وذلك لضمان عمل الملاحة في المستقبل سواء في البحر أو الجو.
اقرأ أيضاً: خمس خدمات شحن جديدة تدعم الموانئ السعودية وتواجه تداعيات مضيق هرمز

