تشهد العديد من دول العالم توجهاً متسارعاً نحو فرض قيود مشددة على استخدام الأطفال والمراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، في ظل تنامي المخاوف من الآثار النفسية والاجتماعية والسلوكية المرتبطة بالاستخدام المبكر والمفرط لهذه المنصات.
ويأتي هذا التوجه استجابة لتحذيرات متزايدة من خبراء الصحة النفسية والتربية، الذين يرون أن الأطفال باتوا أكثر عرضة للتنمر الإلكتروني والإدمان الرقمي والتأثيرات السلبية للمحتوى غير المناسب، ما دفع الحكومات إلى البحث عن أدوات تنظيمية توفر بيئة إلكترونية أكثر أمانًا للأجيال الجديدة.
أستراليا تقود التجربة العالمية
تعد أستراليا أول دولة تطبق حظراً فعلياً على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة، في خطوة غير مسبوقة عالمياً دخلت حيز التنفيذ أواخر عام 2025.
ويحمّل النظام الجديد شركات التقنية مسؤولية التحقق من أعمار المستخدمين ومنع القاصرين من الوصول إلى المنصات المشمولة بالحظر، مع فرض غرامات مالية كبيرة على الشركات المخالفة. وقد أثارت هذه التجربة اهتماماً دولياً واسعاً باعتبارها نموذجًا قد تلجأ إليه دول أخرى خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضاً: السفارة الأردنية في الرياض: الخدمات والموقع وأرقام التواصل
أوروبا وأمريكا الشمالية تتجه نحو التشديد
لم يقتصر النقاش على أستراليا، بل امتد إلى عدد من الدول الأوروبية التي بدأت دراسة أو إقرار تشريعات مشابهة. فالدنمارك وفرنسا والنمسا من بين الدول التي تعمل على فرض قيود عمرية أكثر صرامة، فيما تشهد ألمانيا نقاشات سياسية ومجتمعية حول أفضل السبل لتنظيم استخدام القاصرين للمنصات الرقمية.
وفي أمريكا الشمالية، تتزايد الدعوات إلى تعزيز حماية الأطفال على الإنترنت، مع طرح مشاريع قوانين تهدف إلى تقييد وصول من هم دون السادسة عشرة إلى بعض التطبيقات والمنصات، أو إلزام الشركات بتوفير أدوات حماية أكثر فعالية.
مخاطر تدفع الحكومات إلى التدخل
يرى مؤيدو هذه السياسات أن التدخل الحكومي أصبح ضرورة في ظل الارتفاع الملحوظ في معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم بين الأطفال والمراهقين المرتبطة بالاستخدام المفرط للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي. كما تشير دراسات عديدة إلى أن بعض المنصات تعتمد خوارزميات مصممة لزيادة مدة الاستخدام، ما قد يؤدي إلى أنماط سلوكية أقرب إلى الإدمان الرقمي، إضافة إلى تعرض الأطفال لمحتويات عنيفة أو مضللة أو غير مناسبة لأعمارهم.
في المقابل، يثير الحظر انتقادات من بعض الجهات الحقوقية وخبراء التقنية الذين يرون أن تطبيقه يتطلب آليات دقيقة للتحقق من العمر قد تمس خصوصية المستخدمين وتفرض جمع مزيد من البيانات الشخصية. كما يشكك بعض المنتقدين في فعالية الحظر الكامل، معتبرين أن الأطفال قد يجدون وسائل بديلة لتجاوز القيود التقنية، وأن الحل يكمن في تعزيز الثقافة الرقمية والرقابة الأسرية بدلاً من المنع الشامل.
كيف تنظر السعودية إلى القضية؟
تتبنى المملكة العربية السعودية نهجاً يركز على تحقيق التوازن بين الاستفادة من التحول الرقمي وحماية المستخدمين، خصوصًا الأطفال واليافعين. وخلال السنوات الأخيرة عززت الجهات المختصة منظومة السلامة الرقمية من خلال حملات التوعية، وتطوير أدوات الرقابة الأسرية، ورفع الوعي بمخاطر التنمر الإلكتروني والابتزاز والإدمان الرقمي.
ويتماشى هذا التوجه مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى بناء مجتمع رقمي متقدم وآمن في الوقت ذاته، حيث لا يقتصر الاهتمام على توفير الخدمات التقنية، بل يمتد إلى حماية المستخدمين وتعزيز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
بين الحظر والتوعية
تكشف التجارب الدولية أن الجدل حول وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد يتعلق بالتقنية نفسها، بل بكيفية إدارة علاقتها بالأطفال والمراهقين. وبين خيار الحظر الكامل وخيار التوعية والتنظيم، تستمر الحكومات في البحث عن حلول تضمن حماية الأجيال الجديدة دون حرمانها من مزايا العالم الرقمي.
ومع تزايد الضغوط على شركات التكنولوجيا لتحمل مسؤوليات أكبر تجاه المستخدمين الصغار، يبدو أن السنوات المقبلة ستشهد مزيداً من التشريعات والإجراءات التي تعيد رسم حدود استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي حول العالم.

