منذ أيام قليلة، نفذت السلطات السعودية أحكام الإعدام بحق ٨ أشخاص، ما أثار عاصفة من الانتقادات في الغرب. يبدو المشهد للوهلة الأولى كأنه صدام بين ثقافتين: بين دولة ترى في تطبيق أنظمة العقوبات القصوى حماية للأمن العام، وبين مجتمعات ترفض هذا النوع من العقاب بأقسى صوره. هنا، سنغوص في جغرافيا القانون السعودية ونفهم آليات تطبيق حكم الإعدام، نتتبع وجهة النظر الرسمية، نعرض أهم الانتقادات الصادرة من منظمات مرموقة مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، ونقارن التجربة السعودية بدول إقليمية أخرى تعتمد على الإعدام.
حكم الإعدام في السعودية – قراءة قانونية من الداخل
وفق النظام القضائي السعودي المبني على الشريعة الإسلامية، تُطبّق عقوبة الإعدام ضمن ثلاث فئات رئيسية: جرائم الحدود مثل القتل العمد والخيانة، وجرائم القصاص التي يتم بناء الحكم فيها بحضور أسر الضحية، وجرائم التعزير كالجرائم المتصلة بالمخدرات أو الإرهاب. يُنفذ الحكم عبر السيف عادةً، أو إطلاق النار في بعض الحالات، وتتم الإجراءات القضائية بموجب اعترافات محكمة، تُمنح فيها الحقوق القانونية والتمثيل القانوني، مع إمكانية الاستئناف. ومع ذلك، تشكك بعض المنظمات عبر تقاريرها بأساليب الاعتراف.
في عام 2024، شهدت السعودية تنفيذ 345 حكم إعدام، وهو الأعلى منذ عقود، وفي النصف الأول من 2025 بلغ العدد نحو 180، منها 46 خلال شهر يونيو فقط، مع 37 حكماً صدرت بسبب جرائم متصلة بالمخدرات غالباً لأجانب.
الانتقادات الغربية ومنظمات حقوق الإنسان
وصفت منظمة العفو الدولية التصاعد في تنفيذ أحكام الإعدام، خاصة في القضايا المتعلقة بالمخدرات، بأنه «اتجاه مرعب»، مؤكدة أن الغالبية العظمى من المحكوم عليهم في هذه الفئة من الأجانب، ويواجهون محاكمات تفتقر إلى المعايير الدولية للعدالة. وأضافت كريستين بيكرلي، المديرة الإقليمية للعفو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن السعودية تُنتهك الحقوق الدولية من خلال تنفيذ حكم الإعدام لجرائم لا تعتبر «أخطر الجرائم» وفق المعايير العالمية. ونددت الجهات الأممية بتنفيذ أحكام بحق مصريين كان يمكن تجميد تنفيذها، داعية لوقف تنفيذها فوراً.
الصحافة الغربية، مثل صحيفة The Guardian، اتهمت السعودية بأنها نفذت مئات الإعدامات لأجانب في قضايا مخدرات، وبأنّها لم تعتمد إجراءات شفافة كفاية وبصورة متوازنة بين المواطنين والمهاجرين.
كما أكّد موقع AP News أن التنفيذ المتسارع يتناقض مع توجهات رؤية الإصلاح 2030، ولا تتوافق مع تصريحات ولي العهد بأن الإعدام يقتصر على جرائم القتل كما في القرآن.
السياق الإقليمي والعالمي – من يقترب من السعودية في معدل التنفيذ؟
على المستوى الإقليمي، تحتفظ عدد من الدول بالعقوبة القصوى. ففي إيران، التي تُعد الأعلى عالمياً من حيث عدد الإعدامات، نُفّذ 972 حكماً عام 2024، مع نحو نصفها لجرائم المخدرات. وأفادت تقارير بأن إيران والسعودية يمثلان الجزء الأكبر من الإعدامات العالمية المتعلقة بالمخدرات – 485 و122 على التوالي عام 2024، أي نحو 40% من الإعدامات الدولية.
كما تواصل مصر تنفيذ عدد ملحوظ من الإعدامات، وفي العراق سجلت زيادة حادة بنسبة قُرب أربعة أضعاف ما بين 2023 و2024.
الموقف السعودي الرسمي من الحكم والإصلاح
تواظب الحكومة السعودية على تأكيد أن حكم الإعدام يُطبّق فقط في الجرائم التي تهدد السلم العام، وتتخذ لنفسها نهجاً كدولة تحترم الإجراءات القانونية للمتهمين، مع جلسات الدفاع والحق في الاستئناف. وقد أعلن ولي العهد محمد بن سلمان سابقاً عن تقليص الجرائم المؤهلة للإعدام، حاصراً العقوبة في حدود الشريعة والجرائم القصاصية، مع تعليق حكومي مؤقت لعقوبات المخدرات منذ 2021. رغم ذلك، عاد التنفيذ بصورة مكثفة منذ نهاية 2022، دون تقديم تفسير رسمي واضح لهذا التراجع المفاجئ في موقف.
ختاماً، يظهر جلياً أن حكم الإعدام في السعودية أصبح قضية محورية تتقاطع فيها النصوص الشرعية، السياسات الأمنية، والتحديات الدولية. فالمملكة، من جانب، تسعى إلى تطوير تشريعاتها عموماً ضمن الرؤى الإصلاحية وفقاً لإطار رؤية 2030. لكنها من جانب آخر تحاول التخفيف من وتيرة الجرائم التي تهدد السلم العام – مثل جرائم المخدرات، ويبدو أنّ هذا النهج لا يزال بالنسبة للمحاكم يستوجب العقوبات القصوى، وعلى رأسها الإعدام.
لا بدّ عند مناقشة عقوبة الإعدام في السعودية أن نأخذ بالاعتبار أنّنا نناقش وضع مختلف تماماً عن الغرب، خاصة مع مواضيع تنتشر بشكل سمّي في البلاد، ونقصد هنا المخدرات. إنّ المطلوب من النظام القانوني السعودي ليس تخفيف عدد الإعدامات، بقدر ما هو المطلوب توسيع عمليات مكافحة الجرائم التي تؤثر على المجتمع من جذورها.
اقرأ أيضاً: صناعة الأحجار الكريمة في السعودية.. والاهتمام المحيط فيها

