هبط الرقم دفعة واحدة، من 56.1 في شباط إلى 48.8 في آذار. وهذه ليست حركة شهرية عابرة فقط، بل أول قراءة انكماش للقطاع الخاص غير النفطي في السعودية منذ أغسطس 2020. هنا عاد السؤال سريعاً، هل يكفي المسار الذي بنته رؤية 2030 خلال السنوات الماضية لامتصاص صدمة حرب إقليمية تضرب الطلب والثقة وسلاسل الإمداد معاً.
الإجابة لا تبدو حاسمة باتجاه واحد. البيانات نفسها تقول شيئين في وقت واحد. الأول أن الصدمة كانت حقيقية وواسعة بما يكفي لتعطيل مشاريع وتأجيل إنفاق العملاء وإبطاء النشاط العابر للحدود. والثاني أن الأساس غير النفطي لم ينهَر، لأن التوظيف واصل النمو، ولأن الشركات أبقت قدراً من التفاؤل مستنداً إلى الإنفاق الحكومي وبرامج التحول. من هنا يبدأ النقاش المفيد، لا عند رقم 48.8 وحده، بل عند قدرة رؤية 2030 على تحويل التنويع من مشروع نمو إلى شبكة امتصاص للصدمات.
رؤية 2030 في اختبار آذار
الأرقام الأوسع تفسر لماذا لم يُقرأ هبوط آذار بوصفه انهياراً نهائياً. التقرير السنوي الرسمي للرؤية عن 2024 يقول إن الأنشطة غير النفطية وصلت إلى حصة قياسية من الناتج المحلي الحقيقي بلغت 55%، مع نمو غير نفطي حقيقي قدره 3.9% في ذلك العام. ويشير التقرير نفسه إلى أن الاستثمار الأجنبي الداخل بلغ 20.69 مليار دولار بنهاية الربع الرابع من 2024. وهذا يعني أن الاقتصاد دخل الصدمة الأخيرة بقاعدة أوسع مما كانت عليه قبل سنوات، لا بقطاع غير نفطي هش وموسمي.
الصورة نفسها تظهر في تقديرات 2025. بيانات رسمية وتقارير اقتصادية متطابقة تقريباً تشير إلى أن النمو غير النفطي بقي قريباً من 4.9% خلال العام، وهو معدل مرتفع إذا قورن باقتصادات المنطقة المعتمدة على النفط. كما أن التحول السياحي الذي تراهن عليه الرؤية تجاوز مبكراً هدف 100 مليون زائر سنوياً، مع رفع المستهدف إلى 150 مليوناً بحلول 2030.
بهذا المعنى، لم تعد رؤية 2030 مجرد عنوان دعائي، بل صارت تنتج قطاعات أكبر حجماً وأكثر تنوعاً، من السياحة إلى الخدمات واللوجستيات والتمويل.
ماذا يقول مؤشر آذار
مع ذلك، لا يجوز تبسيط ما حدث في آذار. مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات، الذي تعده S&P Global، هبط إلى 48.8 من 56.1 في شباط، وهو ثاني أكبر تراجع شهري منذ بدء السلسلة في 2009. القراءة دون 50 تعني انكماشاً مقارنة بالشهر السابق، لا انهياراً في الحجم المطلق للنشاط، لكنها تبقى إشارة قوية إلى أن السوق دخلت منطقة حذر فعلي.
التفاصيل أوضح من الرقم العام. الأعمال الجديدة تراجعت، والإنتاج هبط مع توقف بعض المشاريع وتأجيل العملاء قرارات الإنفاق بانتظار اتضاح مسار الحرب. والطلبات التصديرية سجلت أسرع انكماش منذ نحو ست سنوات، بينما ساءت مواعيد التسليم بأكبر وتيرة منذ يونيو 2020، وارتفعت الأعمال المتراكمة إلى أعلى مستوى منذ يوليو 2018. هذه ليست مؤشرات نفسية فقط، بل علامات على أن الصدمة انتقلت من الأخبار إلى حركة التجارة والنقل والتوريد داخل الاقتصاد نفسه.
الأهم أن جمع البيانات جرى بين 5 و23 آذار 2026. أي أن قراءة المؤشر التقطت الأثر المباشر للاشتباك الإقليمي على سلوك الشركات والعملاء في وقت مبكر نسبياً، لا بعد أشهر من التكيف. وهذا يرفع قيمة المؤشر كإنذار أولي، لكنه لا يحوله وحده إلى حكم نهائي على قدرة الاقتصاد غير النفطي على الصمود.
أين تظهر عناصر المناعة
رغم حدة التراجع، لم تكن كل الإشارات سلبية. التوظيف استمر في الارتفاع، وإن بوتيرة أبطأ بكثير من شباط. كما أن الشركات لم تدخل موجة خفض واسعة للأسعار أو تسريح العمالة، بل تحركت بحذر، فقلصت المشتريات جزئياً مع إبقاء المخزون عند مستويات مقبولة. وحتى ضغوط الكلفة لم تنفجر كما يحدث عادة في الحروب، إذ قال المسح إن تكاليف المدخلات ارتفعت بأبطأ وتيرة في عام كامل، على الرغم من زيادة أسعار الوقود ورسوم الشحن.
هنا تظهر قيمة ما راكمته رؤية 2030 خلال السنوات الماضية. ليس لأن الرؤية تمنع الأزمات، بل لأنها تمنح الاقتصاد غير النفطي قدراً أكبر من التماسك عندما تقع الأزمات. تعليق صندوق النقد الدولي في ختام مشاوراته لعام 2025 كان واضحاً قبل التطورات الأخيرة، إذ أشار إلى أن الطلب المحلي القوي، ومشاريع التحول، والتوسع الائتماني، يمكن أن يحافظوا على نمو غير نفطي يتجاوز 3% ويقترب من 4% على المدى المتوسط. هذا النوع من المحركات الداخلية مهم جداً عندما يتعرض الخارج لاضطراب حاد.
حدود الصدمة وحدود الرؤية
لكن هذا لا يعني أن رؤية 2030 تكفي وحدها لامتصاص أي حرب إقليمية مهما طال أمدها. الرؤية مشروع تحوّل هيكلي، لا أداة سحرية لتعطيل أثر الجغرافيا السياسية. إذا طالت الحرب، أو اتسع نطاقها، فإن القطاعات التي تقوم على الثقة والعبور السلس وتدفق الزوار والاستيراد السريع ستشعر بالضغط أولاً، مثل التجارة والخدمات والسياحة واللوجستيات وبعض فروع البناء والضيافة.
البيان الشهري نفسه لمح إلى هذا الحد. توقعات الشركات للإنتاج تراجعت إلى أضعف مستوى منذ يونيو 2020، على الرغم من بقائها في المنطقة الإيجابية. هذا فرق مهم. التفاؤل لم يختف، لكنه انخفض بوضوح. وعندما يتراجع التفاؤل في اقتصاد يقوده الاستثمار والمشاريع الكبرى، فإن الأثر لا يظهر فقط في شهر واحد، بل قد ينتقل إلى توقيتات التنفيذ، وسرعة التوسع، وقرارات التعاقد، وكلفة التأمين والشحن والتمويل.
لذلك، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت رؤية 2030 قد فشلت عند أول اختبار، ولا ما إذا كانت محصنة بالكامل ضد الحرب. السؤال الأدق هو هذا، هل تستطيع الرؤية تقليص زمن الصدمة ومنعها من التحول إلى تباطؤ طويل؟ الجواب المرجح حتى الآن أن ذلك ممكن إذا بقي الاضطراب مؤقتاً، وإذا عادت سلاسل الإمداد والإنفاق الخاص إلى وضع أكثر استقراراً خلال الأشهر القليلة المقبلة.
بين الامتصاص والتأجيل
حتى الآن، تبدو الصورة مزدوجة. الاقتصاد غير النفطي السعودي تلقى ضربة واضحة في آذار، وهذه حقيقة لا يفيد إنكارها. لكنه تلقى الضربة من موقع أقوى مما كان عليه قبل أعوام، وهذه حقيقة ثانية لا تقل أهمية. قاعدة النشاط أوسع، والسياحة أكبر، والتمويل أعمق، والإنفاق العام ما زال يعمل كدعامة، ولذلك يبدو الحديث عن صدمة مؤقتة أقرب إلى الوقائع من الحديث عن تعثر بنيوي شامل.
مع ذلك، لن تحسم المسألة الخطب ولا العناوين. ما سيحسمها هو ما إذا كان المؤشر سيعود فوق 50 سريعاً، وما إذا كانت الطلبات الجديدة ستستعيد زخمها، وما إذا كانت الحرب ستبقى حدثاً ضاغطاً قصير الأجل أو تتحول إلى كلفة تشغيل مستدامة على الاقتصاد الإقليمي كله. عند هذه النقطة فقط يمكن معرفة ما إذا كانت رؤية 2030 قد امتصت الصدمة فعلاً، أم أنها اكتفت بتأجيل أثرها.

