لم تقتصر تأثيرات الحرب الأمريكية الإيرانية على تراشق مسيرات وصواريخ في منطقة الخليج العربي، والتي تتصدى لها الدول الخليجية باستمرار، بل تخطتها إلى التأثيرات التجارية التي أوقفت الملاحة في مضيق هرمز. وعلى الرغم أهمية هذا المضيق خصوصاً لدول الخليج، إلا أنهم استطاعوا تفادي الكثير من تأثيراتها بفضل الاستعدادات اللوجستية التي يمتلكونها.
ومن أبرز الخطوات التي قامت بها السعودية لإعادة حركة التجارة لديها، إطلاق الهيئة العامة للموانئ خمس خدمات شحن ملاحية جديدة، في خطوة تهدف إلى تعزيز مرونة القطاع اللوجستي وضمان استمرارية سلاسل الإمداد وتدفق البضائع.
شملت هذه الخدمات مشاركة كبرى الشركات الملاحية العالمية مثل MSC وHapag-Lloyd وMaersk وCMA CGM، ما يعكس جاهزية الموانئ السعودية وكفاءتها التشغيلية في التعامل مع المتغيرات. بينما تشمل الخدمات الجديدة GULF AE19 وJADE وREDEX وSHUTTLE وSE4، وقد شغلت عبر مسارات بحرية متعددة تربط موانئ المملكة بعدد من الوجهات الإقليمية والدولية، مما يوسع شبكة الربط الملاحي ويعزز كفاءة الخدمات اللوجستية. وتبلغ الطاقة الاستيعابية الإجمالية لهذه الخدمات نحو 63,594 حاوية قياسية، مما يوفر خيارات شحن مرنة للمصدرين والمستوردين ويدعم انسيابية حركة التجارة.
وتسعى هذه المبادرة إلى تقليل أثر الصعوبات في الممرات البحرية الحيوية، خصوصاً مضيق هرمز، وتعزيز الربط الملاحي عبر البحر الأحمر، وزيادة كفاءة سلاسل الإمداد. كما تساهم في دعم تكامل الموانئ السعودية وزيادة قدرتها الاستيعابية، بما يعزز مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي، ويضمن موثوقية الموانئ السعودية كمحور رئيسي في حركة التجارة الدولية.
كنا قد تحدثنا في مقال سابق عن طرق ملاحية تجارية تستطيع دول الخليج عموماً والسعودية خصوصاً استغلالها في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز.
أهمية مضيق هرمز والتحديات اللوجستية
يشكل مضيق هرمز حوالي ربع تجارة النفط البحرية العالمية، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، لكنه ليس مجرد ممر للطاقة، إذ يلعب دوراً حيوياً في نقل السلع الأساسية والغذاء إلى دول الخليج التي تعتمد على الاستيراد بنسبة كبيرة.
وتشير تحليلات متعددة من بينها تقرير شبكة CNN وتحليل مجلة “ذا أتلانتيك”، إلى أن نحو 85% من الغذاء المستورد إلى المنطقة يمر عبر المضيق، مما يجعل أي تعطل فيه تهديداً مباشراً للأمن الغذائي، بالإضافة إلى تأثيره على أسعار الطاقة والسلع.
تؤكد بيانات شركة “كبلر” أن غالبية شحنات الحبوب ضمن نحو 30 مليون طن واردة إلى دول الخليج تمر عبر المضيق، وهذا يعني أن هناك حجم اعتماد كبير على هذا المسار الحيوي. وأي اضطراب في الملاحة، حتى لو كان محدوداً، يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن وتأخر وصول الإمدادات، وبالتالي زيادة أسعار السلع الأساسية بنسبة كبيرة تصل إلى المستهلك النهائي بسرعة.
ومع ذلك، تعمل السعودية ودول الخليج على تنويع مسارات الإمداد وتعزيز القدرات اللوجستية عبر موانئ البحر الأحمر وتطوير سلاسل التوريد ومخزونات السلع الاستراتيجية، مما يقلل الاعتماد الكامل على مضيق هرمز ويمنح السوق نوعاً من المرونة في مواجهة الاضطرابات، كما ظهر بشكل واضح خلال أزمات سابقة مثل جائحة “كوفيد-19” والحرب الروسية الأوكرانية.
في الختام، تدارك المملكة العربية السعودية لتأثيرات إغلاق مضيق هرمز، هو إثبات على مرونة الاقتصاد السعودي وتكيفه مع التحديات الكبيرة، وفي الواقع تمتلك السعودية العديد من البدائل اللوجستية التي تستطيع استخدامها، مما يعزز مكانتها كمركز لوجستي عالمي قادر على مواجهة التحديات.
اقرأ أيضاً: مضيق هرمز “عنق الزجاجة”: سيناريوهات السعودية لتأمين الإمدادات والتصدير

