قبل أن تنتشر المدارس في المدن والقرى، وقبل أن تصبح الجامعات والمعاهد من ضمن حياة السعوديين، كان إرسال الطفل إلى المدرسة يعتبر من الامور الجديدة على كثير من الأسر. في ذلك الوقت، لم يكن التعليم النظامي مألوف، وكانت الأسرة تحتاج إلى سبب مقنع لتترك ابنها يذهب إلى مكان بعيد بدل أن يبقى إلى جانبها في الحقل أو الدكان.
من هنا بدأت حكاية دار التوحيد في مدينة الطائف، التي شكلت واحدة من البدايات المهمة للتعليم النظامي في المملكة، في وقت كان فيه بناء المدرسة لا يعني تشييد جدران وفصول فقط، بل كان يعني إقناع المجتمع بفكرة جديدة لم يألفها بعد.
مدرسة أطلق الملك عبد العزيز اسمها
في عام 1364هـ، أصدر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن مرسوماً بإنشاء أول مدرسة نظامية في المملكة مخصصة لتدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية، وقد اختار بنفسه اسم “دار التوحيد” لهذه المؤسسة.
لم يكن اختيار مدينة الطائف مقراً للمدرسة أمراً قد تم بشكل عشوائي. فقد كانت المدينة تتمتع بموقع استراتيجي بين منطقتي الحجاز ونجد وقريبة من مكة المكرمة، مما جعلها وجهة للطلاب القادمين من مناطق شتى. كما أن مناخها المعتدل جعلها من الأماكن الملائمة لإقامة الطلاب خلال فترات طويلة من حياتهم في طريق سعيهم وراء العلم. غير أن التحدي لم يقتصر على اختيار الموقع، بل امتد ليشمل إقناع الأسر المحلية بإرسال أبنائها إلى مدرسة نظامية.
ليبرز سؤال هنا، كيف أُقنعت الأسر بتبني التعليم؟
تطلبت هذه المبادرة الرائدة اتخاذ تدابير لتشجيع الأسر والطلاب على خوض هذه التجربة التعليمية الجديدة. وعليه، تم إلحاق “دار التوحيد” بالقسم السياسي في الديوان الملكي، مما ضمن لها الدعم المادي والمعنوي اللازم لتحفيز الأسر على تسجيل أبنائها. ولم تقتصر المبادرة على تقديم التعليم، شملت أيضاً تخصيص مكافآت مالية للطلاب المتفوقين ومنح رواتب شهرية تغطي حتى العطلة الصيفية، وهي تدابير جعلت الالتحاق بالمدرسة محط استقطاب للأسر.
وهكذا، لم يعد التعليم في نظر الطالب وأسرته، مجرد وقت يقتطع من العمل أو مساعدة الأسرة، بل أصبح فرصة لاكتساب المعرفة، ونيل المكافآت، وبناء مستقبل مختلف.
اقرأ أيضاً: الإنفاق على التعليم يقفز 134%.. كم تكلف العودة إلى المدارس الأسرة السعودية؟
دار التوحيد.. أكثر من مجرد مدرسة
لم تكن أهمية “دار التوحيد” تكمن فقط في دورها كمدرسة للغة العربية والعلوم الشرعية، بل في كونها ظهرت في مرحلة كان فيها التعليم النظامي بحاجة إلى التحول من مفهوم جديد ومستحدث إلى ممارسة اجتماعية مقبولة. وقد تخرج من فصولها طلاب حملوا ما تعلموه إلى مناطق مختلفة، مساهمين بذلك في نشر المعرفة داخل مجتمع كان ينتقل بشكل تدريجي نحو حقبة جديدة من التعليم والتنظيم الإداري.
مع مرور السنين، توسع نطاق التعليم في المملكة، وانتشرت المدارس في مختلف المناطق. تطور النظام التعليمي في وقت لاحق ليشمل المعاهد والكليات والجامعات، متحولاً في نهاية الأمر إلى منظومة شاملة تغطي كافة مراحل التعليم.
تجسد قصة “دار التوحيد” أحد جوانب التحول التعليمي الذي شهدته المملكة، فهي رحلة انطلقت من مدرسة واحدة كان لا بد في البداية من إثبات قيمتها للمجتمع المحلي، لتصل إلى واقع أصبح فيه التعليم ضمن نمط حياة الأطفال والأسر. وبناءً عليه، تظل “دار التوحيد” من أهم أجزاء الإرث التعليمي للمملكة، فهي ليست مجرد مبنى قديم أو تجربة تعليمية مضت وانتهى الأمر، بل شاهدحقيقي على حقبة كان فيها تأسيس المدرسة يمثل الخطوة الأولى في مسار أطول بكثير، كُرس للتنمية البشرية من خلال المعرفة.
ورغم أن القصة بدأت بمدرسة واحدة في مدينة الطائف، إلا أنها تعكس كيف كان تحول التعليم في البلاد واسع النطاق، فعندما يتحول التعليم إلى مشروع للتنمية الاجتماعية، يتجاوز أثر المدرسة حدود جدرانها، ليؤثر في أجيال بأكملها ويصيغ ملامحها.

