لم تعد جودة التعليم مرتبطة بالمناهج والمعلمين فقط، إذ تظهر الدراسات أن طريقة إدارة المدرسة والقدرات القيادية داخلها يمكن أن تترك أثراً واضحاً على مستوى تعلم الطلاب. كشفت دراسة وطنية سعودية عن وجود علاقة بين فاعلية القيادة المدرسية وتحسن نتائج الطلاب.سنورد تفاصيلها ضمن المقال.
تحسن بنسبة 4% في مخرجات تعلم الطلاب
كشفت دراسة أجراها “المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي”، بالتعاون مع “هيئة تقويم التعليم والتدريب”، أن زيادة قدرها 10 نقاط في فعالية قادة المدارس ترتبط بتحسن نسبته 4% تقريباً في مخرجات تعلم الطلاب. وتشير هذه النتيجة إلى أن أداء قائد المدرسة يؤثر بشكل مباشر على المخرجات التعليمية، سواء كان ذلك من خلال تنظيم العمليات المدرسية، أو دعم المعلمين، أو تلبية احتياجات الطلاب، أو تهيئة بيئة تعليمية محفزة وداعمة للتعلم.
ولا يعني هذا أن القيادة المدرسية هي العامل الوحيد المحدد لإنجازات الطلاب؛ فالعملية التعليمية تنطوي على عوامل متعددة. ومع ذلك، تسلط الدراسة الضوء على القيادة باعتبارها مجالاً رئيسياً يمكن لجهود التطوير فيه أن تحقق أقصى قدر من التأثير. يتجاوز دور قائد المدرسة المهام الإدارية الروتينية، مثل متابعة الحضور، وتنظيم الجداول، وإدارة العمليات المدرسية ليركز على بناء بيئة تعليمية أكثر فعالية بشكل نشط ومباشر. إذ يجب أن يكون القائد الناجح قادراً على تقييم احتياجات مدرسته، ومعالجة التحديات التي يواجهها المعلمون والطلاب، وتعزيز الممارسات التي ترفع من مستوى التحصيل الأكاديمي.
بناءً على ذلك، يتجه المعهد نحو تأسيس نظام شامل لتطوير القادة التربويين، ويشمل هذا النظام كل شيء بدءاً من تحديد المهارات والاحتياجات المهنية للقائد، وصولاً إلى تصميم مسار تطويري مصمم خصيصاً ليتناسب مع طبيعة دوره المحددة.
اقرأ أيضاً: كيف تطور المسار الموسيقي في المملكة من المدارس إلى المهرجانات
أدوات جديدة لتقييم القادة في المدرسة كشفتها الدراسة
لتقييم القادة، يستخدم المعهد مجموعة متنوعة من الأدوات، تشمل التقييمات النفسية (السيكومترية)، واختبارات الحكم الموقفِي، والمقابلات المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
الهدف من استخدام أدوات تقييم متنوعة هو تجنب الاعتماد على أسلوب واحد فقط لتقييم قدرات قائد المدرسة؛ بل السعي للحصول على صورة متكاملة لمهاراته ونقاط قوته ومجالات التطوير لديه. واستناداً إلى نتائج التقييم، يمكن تحديد الاحتياجات التدريبية لكل قائد بدقة أكبر، متجاوزين بذلك الممارسة المتمثلة في تقديم برامج موحدة لجميع القادة، بغض النظر عن الظروف والتحديات الخاصة بكل مدرسة.
وفي إطار هذه المبادرة، قام المعهد بالتعاون مع كلية لندن الجامعية (UCL)، بتطوير مسارات مهنية قائمة على الكفاءات، وتتماشى مع الإطار الوطني لكفاءات القيادة المدرسية. تهدف الخطة إلى تطوير مهارات ما يقرب من 40,000 مدير مدرسة ونائب مدير في جميع أنحاء المملكة المتحدة، مع العمل في الوقت ذاته على إعداد مجموعة من المدربين لتيسير تنفيذ البرنامج على نطاق واسع.
تحقيقاً لهذه الغاية، تم تدريب 100 مدرب رئيسي، وتولى هؤلاء بدورهم تدريب 100 مدرب آخر للمساعدة في تقديم مسارات التدريب. يعكس هذا الأمر جهوداً تهدف إلى بناء نظام لا يعتمد حصرياً على البرامج المركزية، بل يتمتع بالقدرة على الاستدامة والتوسع، مما يتيح له الوصول إلى عدد أكبر من القادة التربويين.
10 أشهر من التطوير وقياس الأثر
تمتد عملية تطوير القيادة على مدار 10 أشهر، وهي تتجاوز مجرد حضور الدورات التدريبية، إذ تجمع بين التدريب الحضوري والتعلم عبر الإنترنت (سواء المتزامن أو غير المتزامن)، فضلاً عن التوجيه المهني والتعلم أثناء العمل. كما يطلب من المشاركين تنفيذ مشاريع تطويرية واقعية في مدارسهم، مما يضمن بقاء التدريب مرتبطاً بالواقع اليومي للمدرسة. ويعد هذا الجانب بالغ الأهمية، إذ لا يقاس نجاح أي برنامج تدريبي بعدد الساعات التي يقضيها المشاركون في قاعات التدريب، بل بالتغييرات التي تطرأ بعد عودتهم إلى مهامهم الوظيفية.
تشير نتائج الدراسة إلى تحول في التركيز، حيث يتمثل الهدف في قياس أثر التطوير المهني بدلاً من الاكتفاء بتسجيل معدلات المشاركة.
وبالنسبة للطلاب، فإن أهمية هذه الجهود تظهر في نتيجتها النهائية، مدرسة أكثر تنظيما، قيادة أكثر قدرة على التعامل مع التحديات، ومعلمون يحصلون على دعم أفضل، وبيئة يمكن أن تساعد الطلاب على تحقيق نتائج تعليمية أفضل. فالعملية التعليمية شبكة كاملة، وأحياناً يبدأ إصلاحها من المكان الذي يجلس فيه المدير، لا من السبورة وحدها.
ختاماً، يتمثل الهدف في أن ينعكس أثر تطوير “المدير” المدرسي على الممارسات اليومية في المدرسة، وجودة بيئة التعلم، ونتائج الطلاب.

