ترتبط فكرة المشاريع الناجحة بحجم رأس المال المرصود لها. فمشروع ناجح يعني رأس مال كبير، وشركة ضخمة، وعمال كثيرون، لكن الواقع ليس كذلك. فالكثير من الشركات الناجحة اليوم كانت مجرد فكرة بسيطة في عقول أصحابها، وتطورت يوماً بعد يوم بسبب إصرار أصحابها على النجاح. ومنها منصة “دكان أفكار” السعودية المختصة بالتجارة الإلكترونية، والتي سنتعرف عليها وعلى أصحابها في هذا المقال.
اختارت منصة “دكان أفكار” طريقاً مختلفاً عما يسلكه الآخرون، فبدلاً من المنافسة التقليدية، توجهت نحو شيء جديد مليء بالتحديات والصعوبات التي حولتها بدورها إلى منصة بيع المنتجات المبتكرة في المملكة.
يختصر الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للمنصة عمار وجانة هذه الرحلة عندما يقول: “أحياناً يكون التحدي الذي أمامك هو الخوف من سرعة الفشل بسبب الضغوط”. لكن ما حدث بعد ذلك أثبت أن الضغوط لا تعني دائماً النهاية، بل قد تكون بداية النجاح إذا عرف رائد الأعمال كيف يتعامل معها.
فكرة تغيرت في الوقت المناسب… وكانت بداية النجاح
في عام 2013 اجتمع ثلاثة أصدقاء هم عبدالله باجري، وعمار وجانة، ومحمد كرم نصر الله، وكان لديهم حلم بإنشاء متجر إلكتروني. في البداية كانت الفكرة بسيطة قائمة على بيع القمصان وأغطية الهواتف عبر الإنترنت، وهو مشروع كان يبدو مناسباً في ذلك الوقت.
لكن قبل أن يطلقوا الموقع، قرروا القيام بخطوة مهمة يغفل عنها كثير من أصحاب المشاريع، وهي دراسة السوق جيداً. وبعد البحث اكتشفوا أن هذا المجال مزدحم بالمنافسين، وأن دخولهم بنفس الفكرة لن يمنحهم فرصة حقيقية للتميز.
وبدلاً من الإصرار على الفكرة الأولى، اتخذوا قراراً جريئاً بتغييرها بالكامل. وسألوا أنفسهم: لماذا لا نقدم للناس منتجات لا يجدونها بسهولة في الأسواق؟ ومع توفر الكثير من المنتجات بكافة أنواعها بالأسواق، تبقى الأفكار المميزة الخاصة بالمنتجات غير موجودة بالأسواق. ومن هنا ولدت فكرة “دكان أفكار”، المختص بعرض منتجات تحمل تصاميم مبتكرة وأفكاراً مختلفة تناسب المنزل، والمكتب، والجامعة، والهدايا، وكل من يبحث عن شيء غير تقليدي.
من غرفة صغيرة إلى أول عميل… خطوات صنعت الثقة
لم يبدأ المشروع في مقر كبير أو شركة مجهزة، بل من غرفة صغيرة يملكها أحد الشركاء. وبما أن الإمكانات محدودة جداً، اعتمد كل مؤسس على خبرته. فقد تولى عمار وجانة التخطيط وإدارة المشروع، بينما اهتم محمد كرم نصر الله ببناء الموقع الإلكتروني والجوانب التقنية والإبداعية، في حين ركز عبدالله باجري على التسويق والتعريف بالمشروع.
وبعد تجهيز الموقع بدأت الشركة تعرض منتجات مبتكرة من شركات مختلفة مقابل نسبة من المبيعات. لم يكن لديهم مخزون ضخم، بل كانوا يختارون المنتجات بعناية، لأن هدفهم لم يكن بيع أي شيء، وإنما تقديم أفكار جديدة تلفت انتباه العملاء.
وفي شهر يونيو عام 2013 وصل أول طلب شراء عبر الموقع. وقد تبدو هذه العملية عادية بالنسبة لنا اليوم، لكنها بالنسبة للمؤسسين كانت لحظة لا تنسى، لأنها بداية قطاف ثمرة جهدهم وفكرتهم.
ولأن المشروع كان في بدايته، لم يعتمدوا على شركات الشحن، بل حملوا المنتجات بأنفسهم وذهبوا إلى منزل العميل الأول لتسليمها. وكانت قيمة الطلب 433 ريالاً سعودياً فقط، وتضمن قميصاً وشاحناً ووسادة، لكن تلك الطلبية الصغيرة كانت بالنسبة لهم دليلاً على أن فكرتهم نجحت في الوصول إلى أول عميل، وأن الطريق الذي اختاروه كان صحيحاً. وبعد ذلك بدأت الطلبات تتزايد تدريجياً، ومع كل عملية بيع كانت ثقة الفريق بالمشروع تكبر أكثر.
تحديات كثيرة… لكن كل مشكلة كانت تحمل فرصة جديدة
مثل أي شركة ناشئة، لم تكن رحلة “دكان أفكار” سهلة. فقد واجه المؤسسون تحديات لم يكونوا يتوقعونها. ففي البداية كان من الصعب العثور على موظفين يمتلكون خبرة في التجارة الإلكترونية، لأن هذا القطاع كان لا يزال جديداً في المملكة، لذلك اضطر الفريق إلى التعلم المستمر وبناء الخبرات من داخل الشركة.
كما واجهوا مشكلة أخرى، وهي أن الطلب على بعض المنتجات كان أكبر من الكميات المتوفرة، فكانت بعض القطع تنتهي خلال أيام قليلة، وهو ما كان يسبب ضغطاً كبيراً على الفريق لتوفير منتجات جديدة بسرعة.
ومن التحديات أيضاً أن كثيراً من الموردين لم يكونوا يثقون في المشروع خلال بدايته، لذلك كانوا يطلبون سداد قيمة المنتجات بالكامل قبل تسليمها، وهو أمر شكل عبئاً مالياً على شركة ما زالت في خطواتها الأولى.
ومع توسع الشركة ظهرت تحديات مختلفة، مثل ضرورة توصيل الطلبات بسرعة، والمحافظة على جودة الخدمة مع ازدياد أعداد العملاء، خاصة في الفترات التي ارتفع فيها الطلب بشكل كبير.
لكن الملفت بتجربتهم أنهم لم ينظروا إلى المشكلات على أنها عقبات توقفهم عن العمل، بل اعتبروها فرصة لتطوير العمل وتحسينه في كل مرحلة.
الاستثمار والتوسع… عندما تحولت الفكرة إلى شركة كبيرة
بعد عامين فقط من الانطلاق، بدأت ثمار العمل تظهر بشكل واضح. ففي عام 2015 دخلت “دكان أفكار” في شراكة مع موبايلي فنشرز، وهو استثمار منح الشركة دعماً مالياً ومعنوياً، وأكد للمؤسسين أن مشروعهم يسير في الاتجاه الصحيح. وفي عام 2017 نجحت الشركة في الحصول على جولة استثمارية جديدة بقيادة صندوق الرياض تقنية، بلغت قيمتها مليوني دولار، وهو ما منحها القدرة على التوسع بشكل أكبر.
ومع استمرار العمل ومرور السنين ازداد عدد موظفي الشركة إلى نحو 25 موظفاً يعملون بدوام كامل، كما ازدادت شبكة الموردين لتصل إلى نحو 100 مورد من داخل المملكة وخارجها. وأصبح الموقع يعرض أكثر من ثلاثة آلاف منتج مبتكر، مع خطط لزيادة هذا العدد بشكل كبير، بالإضافة إلى فتح المجال أمام المصممين السعوديين والعرب لعرض منتجاتهم والوصول إلى شريحة واسعة من العملاء.
واليوم يستقبل الموقع نحو 200 ألف زائر شهرياً، بينما تتراوح الشحنات اليومية بين 150 و180 طرداً، وهي أرقام تعكس حجم النمو الذي حققته الشركة خلال سنوات قليلة.
ويقف خلف هذا النجاح عمار وجانة، الذي سبق له العمل في شركة “يونيليفر” في لندن، ثم مديراً للتخطيط في وكالة “TBWA”، كما يحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال تخصص التسويق، إلى جانب بكالوريوس في تقنية المعلومات. وقد ساعده هذا الخليط من الخبرة العملية والدراسة الأكاديمية على بناء علامة تجارية مختلفة، تركز على الابتكار قبل أي شيء آخر.
باختصار، قصة “دكان أفكار” دليل على أن الإصرار على النجاح يولد النجاح حتماً، فمن يريد أن يصل لشيء لا توقفه العقبات والتحديات. والشركة حتى وإن كانت بسيطة، عندما تكون مبنية على أساس الإبداع تجد من يحتضنه ويدعمه حتى النجاح. فالغرفة الصغيرة التي بدأ بها الشبان الثلاثة تحولت لشركة بفضل الجهد والمثابرة.
اقرأ أيضاً: مراكز تسويق الفاكهة في السعودية.. كيف تعيد سلاسل الإمداد تشكيل مستقبل الزراعة؟

